• ×

01:28 مساءً , الأربعاء 25 يونيو 1441

العزاءات في الدين والفلسفة والأدب / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  453
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 العزاءات في الدين والفلسفة والأدب / حامد علي عبد الرحمن
أما قبل ..
كان هذا مشروع كتاب .. بعنوان العزاءات في الدين والفلسفة والأدب .. ولا زال المشروع قائماً .. إلا أنني انشغلت في بعض أمور الدنيا المادية ولا يوجد عدو للفكر والعلم أكبر من الانشغال بالدنيا والمشاريع المادية، إنها تعمل على تحجر العقل وتكلس القلب وتجمد الفكر ..
بالأمس تصفحت مجلد المستندات في جهازي .. فوقعت عيناي على ما كنت كتبته سابقا كمقدمة للكتاب .. فلاحظت أنه يصلح كمقالة مستقلة ولاسيما وأن اكتمال الكتاب وخروجه لن يكون في القريب العاجل ... أيضا كتابة مقالة عن موضوع الكتاب يجعلني قادرا على تكوين فكرة أعمق وربما يدل على مباحث جديدة تثري الكتاب ولذلك كلي أمل بأن لا تبخلوا علي بملاحظاتكم وخاصة المهتمون بالفكر والثقافة ..
أما بعد ..
ما أوحى لي بالكتابة في هذا الموضوع هو كتاب عزاءات الفلسفة لمؤلفه : آلان دو بوتون .. هذا وبرغم أن المؤلف أجاد إلى حد ما إلا أنني أحسست أن هناك ما يمكن إضافته وأن الموضوع لم يأخذ حقه كاملا .. ربما لأن ثقافة الكاتب ومجتمعه مختلف عن ثقافتنا فالكاتب بريطاني .. وربما أيضا لأن الكاتب تناول العزاءات في حياة ستة من الفلاسفة وتجاربهم فقط ولم يتحدث عن نظريات فلسفية في العزاء أو ما شابه بقدر ما تحدث عن تجارب شخصية محددة ولا شك أن القارئ سيجد في تجاربهم العزاء ولكن هذا لا يكفي .. فهو يتحدث مثلا عن معانة سقراط في مخالفة الآراء السائدة وكيف كانت حياته ثمن ذلك .. ويتحدث عن معاناة أبيقور مع الفقر أو المعاناة مع الإحباط وسينيكا أو المعاناة مع العجز وتجربة الفرنسي مونتين .. وهكذا في الحب يتحدث عن شوبنهاور وفي المصاعب يتحدث عن نيتشه .. كأن الكاتب يريد أن يقول لنا أن في حياة هؤلاء وقصصهم لكم عزاء .. وهذا من وجهة نظري المتواضعة لا يفي بالغرض ..
ربما يجد أو يرى البعض العزاء في فشل الآخرين ولكني لا أرى ذلك ولا أجده ..
ولذلك خطر على بالي أن مثل هذا الموضوع المهم لو تمت إضافة جوانب أخرى مثل النظريات الفلسفية وليست تجارب أو حياة الأشخاص فقط .. ( في هذا السياق نذكر كتاب آخر اسمه عزاء الفلسفة / لبوثيوس كتاب قديم جدا وفي الحقيقة لم اقرأه ولكن قرأت عنه ) أيضا لو أضفنا أبعادا أخرى مثل الدين والأدب وخاصة الشعر إليه لكان أكثر تأثيرا وفائدة .. فالدين سيعطي بعدا روحيا مريحا والأدب سيضفي بعدا عاطفيا جميلا ولا سيما الأدب العربي الغني والثري والخصب بالمقطوعات الأدبية الرائعة والرائقة ..
الهدف من العزاءات عموما أن تُحيل الآلام والجروح والمصائب إلى برد وسلام على قلب صاحبها . وهذا هدف نبيل بحد ذاته وهو مطلب عظيم .. فعندما يجد الإنسان العزاء المناسب لمصابه يشعر بالراحة بعض الشيء، إنها تساعد على تحمل المصاعب مهما كانت ..
كلنا ذلك الرجل يمر علينا وقت نحتاج فيها إلى العزاء .. في فقد قريب أو تنكر صاحب أو تغير الزمان أو تبدل الأحوال .. أيضا ربما البعض يعاني من نقص في الجسد إما خلقة وإما بسبب حادث .. العزاء ينفع مع كل ذلك بل بظني أن العزاءات التي ننتظرها هي ما يجعلنا نتماسك عند المصاب وهي ما يجعلنا ننهض بعد السقوط .. وهي ما يجعلنا أكثر عزيمة وصلابة .. كلما كان العزاء عظيما كان تأثيره أعظم .. العزاء يجعلنا نتجاوز الأزمات بكل سلامة، العزاء يجعلنا أكثر شجاعة وجرأة وقوة .
أمر فرعون بقطع أيدي وأرجل السحرة من خلاف وصلبِهم .. فماذا كان عزاؤهم .. إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا .. هذه العقيدة القوية العظيمة هي عزاء العزاءات إنهم يقولون إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا الحقيرة القصيرة .. مهما كانت الخسائر والمصائب والآلام كبيرة ستنتهي قريبا فالحياة الحقيقية ليست هنا .. ولذلك من رُزق هذا الإيمان فلا خوف عليه ولن يحزن أبدا ، من رُزق هذا الإيمان صار يمتلك أكبر وأخطر مسكن للآلام في الوجود ..
النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض للطرد والشتم والإيذاء فماذا كان عزاؤه .. قال يخاطب ربه .. إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي .. كان عزاؤه صلى الله عليه وسلم أن الله راض عنه وما دام الله راض عنه فلا يبالي .. مهما كان المصاب
كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه إذا عزى قوماً، قال: ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة، والموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده، اذكروا فقدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تسهل عليكم مصيبتكم.
وهكذا تتعدد طرق وأساليب العزاء في الكتاب والسنة ( سنشبعها بحثا في الكتاب إن شاء الله ) من القصص الصحيح المتواتر ومن الأقوال العظيمة والحكم ..
ثم أيضا في الأدب العربي ( قصص ومواقف وشعر ) .. وسنجده غنيا جدا . فيها ما يخفف المصاب ويسلّي الفؤاد. تسمع قصة عن أحدهم فينفك عنك حزنك وتنشط كأنما نشطت من عقال ..
لو لم يكن في الأدب العربي إلا الخنساء وشعرها وعزاءاتها في أخيها صخر لكفى .
يُذَكِّرُني طُلوعُ الشَمسِ صَخراً
وَأَذكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمسِ
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي
عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي
وَما يَبكونَ مِثلَ أَخي وَلَكِن
أُعَزّي النَفسَ عَنهُ بِالتَأَسّي

تبكي خناسٌ علَى صخرٍ وحقَّ لهَا
إذْ رابهَا الدَّهرُ انَّ الدَّهرَ ضرَّارُ
لاَ بدَّ منْ ميتة ٍ في صرفهَا
عبرٌ وَالدَّهرُ في صرفهِ حولٌ وَأطوارُ
....
وإنّ صَخراً لَوالِينا وسيّدُنا
وإنّ صَخْراً إذا نَشْتو لَنَحّارُ
وإنّ صَخْراً لمِقْدامٌ إذا رَكِبوا
وإنّ صَخْراً إذا جاعوا لَعَقّارُ
وإنّ صَخراً لَتَأتَمّ الهُداة ُ
بِهِ كَأنّهُ عَلَمٌ في رأسِهِ نارُ
...
أعينيّ جودا ولا تجمُدا
ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى ؟
ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ
ألا تبكيانِ الفَتى السيّدا؟
إذا القوْمُ مَدّوا بأيديهِمِ
إلى المَجدِ مدّ إلَيهِ يَدا
فنالَ الذي فوْقَ أيديهِمِ
من المجدِ ثمّ مضَى مُصْعِدا
يُكَلّفُهُ القَوْمُ ما عالهُمْ
وإنْ كانَ أصغرَهم موْلِدا

يقول أبو تمام ..
تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ
عَزَاءً وَجَفْنُ الْعَيْنِ مَلآنُ مُتْرَعُ
وتقول أم الضحاك ..
تعزّيتُ عَن حبّ الضبابي حقبةً
وَكلّ عمايا جاهلٍ ستثوبُ
يَقولُ خليل النفسِ أنتِ مريبةٌ
كِلانا لَعمري قَد صدقتَ مريبُ
وعن التعزي في الغربة نذكر قصيدة يحى بن طالب .. و كان يحيى هذا سخيا جوادا يقري الأضياف ثم إنّه ركبه دين فادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد .. وكان دائم الحنين إلى اليمامة .. يقول في ذلك
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةٌ
دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكرِ
أقول لموسى والدموع كأنها
جداول ماء في مساربها تجري
ألا هل لشيخٍ وأبن ستين حجةً
بكى طرباً نحو اليمامة من عذر؟
أحقاً عباد الله أن لست ناظراً
إلى قرقرا يوماً وأعلامها الخضر؟
تعزيت عنها كارها فتركتها
و كان فراقيها أمرَّ من الصبرِ


والحقيقة أن في الدين وفي الفلسفة وفي الأدب كلام كثير وشيق عن العزاءات لعل الله أن يعين لإخراج كل ذلك في كتاب مستقل ..

ولعلنا نختم بهذه النصيحة حتى لا نطيل عليكم ..
لكل مكلوم أو مصاب أقول : تلمس الحكمة في مصابك مهما كان عظيما ستجدها حتما .. وهي العزاء الحقيقي واعلم أن الله أرحم بنا من أنفسنا فتوكل عليه وكفى به وكيلا .. وتأكد أن هناك حكمة في الأقدار حتى وإن خفيت علنا .. فالخضر خرق السفينة لتسلم لأصحابها وقتل الغلام بأمر الله ليبدل والديه بغلام أقرب رُحما ..
يقول ابن عطا الله السكندري .. “ربما أعطاك فمنعك، و ربما منعك فأعطاك، و متى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء.”
هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد .

كتبها / حامد علي عبد الرحمن

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 01:28 مساءً الأربعاء 25 يونيو 1441.