• ×

07:59 مساءً , الإثنين 9 أكتوبر 1441

عقدة الخواجات .. وتسويق الذات / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  565
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 عقدة الخواجات .. وتسويق الذات / حامد علي عبد الرحمن ..

عقدة الخواجات .. هذا المثل يعبّر عن الحالة النفسية لمن يحب الأجنبي والبعيد والغريب ويثق فيه أكثر من ثقته في القريب ..
هذا المثل يرادفه أمثال كثيرة كلها تدل على المعنى نفسه والهدف نفسه ..
منها : زامر الحي لا يطرب .. وفيه يقول الشاعر
لا عيب لي غير أني من ديارهم .... وزامر الحي لا تشجي مزامره
ومنها قولهم : أزهد الناس في عالم أهلُه
ومنها : لا نباغة لأديبٍ في قومه.
مهما كان القريب ولا أقصد بالقريب قرابة النسب فحسب ( بل قرابة المعرفة والجيرة والصداقة والدراسة ) مهما كان مبدعا أو متميزا .. الثقة فيه تكون عادة أقل .. مهما حقق من نجاحات يبقى صغيرا عند البعض وخاصة الأنداد وزملاء الطفولة يقول المثل : من عرفك صغيرا حقرك كبيرا ..
تأخذ هذه الظاهرة أو العقدة صورا كثيرة .. منها ما يكون معقولاً أو مقبولاً إلى حد ما ولها الكثير من الشواهد منها مثلا تلك الجدة العجوز التي لا تعجبها أغراض بقالة القرية وتشترط أن يجلبوا لها طلباتها من المدينة حتى ولو كان الغرض متوفر في بقالة القرية وبسعر أقل وجودة أعلى .. إنها عقدة الخواجات .. ومنها مثلا عندما يكون ولد الأخ أو ولد الأخت في السن نفسه أو أكبر من عمه أو خاله تجده لا يعترف لعمه أو لخاله بهذه الدرجة الأعلى في النسب ولذلك يتجرأ عليه ولا يحترمه وربما يناديه باسمه الصريح دون حرج . هذه أمثله على الحالات المعقولة والسائدة ولكن هناك من عقد الخواجات ما يكون معقدا ووصل إلى حالة متقدمة مرضية تختلط فيها الغيرة مع الحسد
من عرفك صغيرا وعرف زلاتك واخطاءك وعيوبك .. تبقى تلك الصورة القاتمة عالقة في ذهنه ( تكثر هذه الصورة عند الأشخاص وفي المجتمعات الأقل تعليما ) .. ومهما تغيرت وتطورت وأبدعت ومهما حققت من نجاحات تبقى أنت فلان ... ومهما كان لك من فضل أو تميز يعرفه تماما في قرارة نفسه إلا أنه لا يريد أن يعترف بذلك ولذلك يحاول التهميش والتنقيص والتقليل من مكانتك ودورك ويحاول التجاهل وإذا ذُكرت بخير عنده كأنه لم يسمع وإذا علم خيرا لم يُظهره بل ربما يسارع في إظهار النقص والعيب إن وجد .
إن يسمعوا ُسبةً طاروا بها فرحا *** مني وما يسمعوا من صالحٍ دفنوا
صمُ إذا سمعوا خيرا ذكرت به *** وإن ذكرتُ بسوءٍ عندهم أذنوا
إن يعلموا الخيرَ أخفوه وإن علموا *** شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا.
رُوي أن هشام بن عبد الملك مر بموكبه والناس متحلقين حول زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه .. فتساءل: من هذا، وكأنه لا يعرفه رغم معرفته التامة به .. فأتاه الرد الصارخ من الفرزدق ..
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك "من هذا" بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
عانى من هذه العقدة أقصد عقدة زامر الحي لا يطرب أو عقدة الخواجات الكثير من العلماء والأئمة والمبدعين يقول الشافعي رحمه الله :
أصْبَحْتُ مُطَّرَحاً في مَعشَرٍ جهلوا حَقَّ الأَدِيبِ فَبَاعُوا الرَّأْسَ بِالذَّنَبِ
وعانى من ذلك أيضا الأنبياء .. ولذلك يقولون لا كرامة لنبي في قومه .. هذا لأنهم حتى وإن عرفوا قدره تأخذهم العزة فلا يعترفون له بفضل أو أسبقية غيرة وحسدا من عند أنفسهم .. يقول أبو جهل عن النبي صلى الله عليه وسلم : "والله إني لأعلم أنه لَنبيٌّ، ولكن متى كنّا لبني عبد مناف تبعًا ؟!" ويقول أيضا : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعَموا فأطعمنا، وحمَلوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رِهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه!
وبنو إسرائيل من بعد موسى لما بعث الله طالوت ملكا عليهم : قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ..
وحتى نكافح مرض ( عقدة الخواجات ) .. ونحاول أن نجعل من عَرَفَنا صغارا يحترمنا كبارا ( أقول نحاول لأن البعض لو كنت أية في التميز لم يعجبه ذلك ولن يعترف بفضلك ) وحتى نحقق ذلك أو نقترب منه لا بد أن نتخلص من الحساسية المفرطة والخجل الزائد من تقديم أنفسنا والتعريف بها وبما نملك من خبرات ومهارات وبما لدينا من إنجازات ... لو اختبأ كل صاحب مهارة أو خبرة أو علم خلف الحياء والخجل لما ظهر علم ولا تطور فن .. مهم جدا أن نتعلم التعريف بأنفسنا وبما نملك من قدرات ومميزات دون مبالغة .. أيضا التعريف بالنفس يكشف القواسم المشتركة بين البشر مما يزيد من الألفة والمحبة بين الناس .
قبل عدة سنوات حضرت دورة تدريبية كانت مدتها شهرا كاملا وسكنت أنا وطالب آخر من أبناء المدينة المنورة .. كان خجولا وهادئا جدا .. وفي نهاية الدورة تقريبا وبشكل عرضي اكتشفت أنه يحمل الحزام الأسود ودانات متقدمة في التايكوندو .. وقتها كان عندي هوس بألعاب الدفاع عن النفس .. لا تتصورون كم كان غبني وحسرتي أنني لم أكتشف ذلك إلا في أخر الدورة
وشبيه بذلك ما حدثني به أحد الزملاء يقول سكنت فترة طويلة مع أحد الزملاء في غرفة واحدة ولم أعلم أنه حافظ لكتاب الله ويجيد القراءات السبع ولديه إجازة فيها إلا في آخر يوم .. يقول فعضضت أناملي وقرعت سني من الحسرة يقول كنا 24 ساعة مع بعض كان بإمكاني أن اتعلم منه ولو القليل .
في أحيان كثيرة نحتاج أن نعرف بأنفسنا .. ليس من أجلنا فقط ولكن من أجل الآخرين .. من أجل العلم ونشر العلم ومن أجل المعرفة ... الأنبياء والعلماء لو بقوا صامتين لما عرفهم أحد ولا تعلم أحد وكذلك الأدباء والشعراء والحكماء .
(( وفي أحيان كثيرة نحتاج أن نعرف بأنفسنا لا لشيء إلا لتحقيق ذواتنا ولن تتحقق ذواتنا إلا بمنجزاتنا ولن يتحقق ذلك إلا بالتعريف بها وخاصة عند أولئك الذين تتأصل عندهم عقدة الخواجات .. الذين لا يعترفون إلا بفضل الأجنبي والغريب ))
والناس في التعريف بأنفسهم على أشكال فمنهم :
من يأخذه الخجل في التعريف بنفسه أو الحذر الشديد من الرياء كما حدث مع حافظ القرآن الذي ذكرنا آنفا .. وهو بهذا يرتكب خطأ جسيما في حق العلم ونشره . وربما يأثم
ومنهم : من يعرّف بنفسه ( داخلا خارجا ) وبسبب وبدون سبب ولكل من هب ودب . وهو بهذا يخسر أكثر من يكسب . حتى ولو كان على حق .
ومنهم : الذي كل خبراته وقدراته تتلخص في معرفته بالأخرين فقط .. تجده عندما يعرّف بنفسه يعرّف بها على أنه ابن فلان أو أبو فلان أو أخو فلان وابن عم فلان وصاحبه فلان وأنه يعرف المدير الفلاني والمسؤول العلاني .. ( لكن من هو فعلا ؟ وماذا قدم وماذا يملك ؟ ) لا شيء .. فهو أشبه ما يكون بالطفيليات التي تعيش على حساب غيرها هو يعتمد على الآخرين أصحاب الإنجازات .
جميل أن نفخر بكل أولئك ولكن مخجل أن نقتات بأسمائهم ونستغلها في قضاء حوائجنا أو التسويق لأنفسنا
ومنهم : الكذّاب .. الذي يبالغ .. في قدراته ومهاراته وإنجازاته وهذا أحقر الأنواع وهو عادة ما ينكشف سريعا لأن حبل الكذب قصير
ومنهم : المتزن الحكيم الذي يعرف متى ؟ ولمن ؟ وأين ؟ يعرّف بنفسه ويجيد ذلك بفن ومهارة .. زمانا ومكانا وحالا وبدون مبالغة أو تضخيم وهذا نادر .
والحقيقة، تبقى عقدة الخواجات أو قاعدة من عرفك صغيرا حقرك كبيرا هي السبب الرئيس الذي يدفعنا للتعريف بأنفسنا وكل منا له طريقته .. ومهما حاولنا كما أشرنا إلا أن "عقدة الخواجات" يبقى لها حضورها القوي عند البعض وهي ما يجعله لا يطرب من زامر الحي ولا من شاعر الحي ولا من أديب الحي ولا من مثقف الحي ولا من عالم الحي .. وهذه مشكلة أزلية .. قتلت المواهب وعطلت الملَكات .. تنتشر كثيرا في المجتمعات المتخلفة والأقل علما وثقافة وتكون واضحة في كلمات الانتقاص ومحاولات التجاهل والغمز اللمز ..
كانت هذه مجرد خواطر لعلها تنفع أو تفيد في حفظ التوزان .. ولعها تفيد أيضا في مراجعة أنفسنا .. في الاعتراف بفضل الأخر والتخلص من الغيرة المرضية هذا على الصعيد الخاص أما على الصعيد العام فالوطن ملئ بالكوادر والمواهب تحتاج منّا الدعم والاعتراف والتشجيع يحتاجون منّا منحهم الثقة والتخلص من عقدة الأجنبي .. وأيضا لعلها تفيدنا في معرفة طريقة تقديم أنفسنا والتعريف بها بحيث نكون متزنين ما بين الخجل والتواري وبين المبالغة ..
كتبها / حامد علي عبد الرحمن ..

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 07:59 مساءً الإثنين 9 أكتوبر 1441.