• ×

04:00 مساءً , الأربعاء 15 أغسطس 1441

سحر الكلمة وعدوى الأفكار وكلام عن الأيدلوجيا / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  677
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 سطوة الكلمة وعدوى الأفكار وكلام عن الأيدلوجيا / حامد علي عبد الرحمن ..
مهما كانت ثقافتك أو علمك أو شهادتك أو خبراتك .. لا تعتقد أنك بمنأى عن التأثر بما تسمع من العبارات أو الكلمات .. للكلمات والعبارات التي نسمعها سطوة وتأثير كبيرا جدا .. إيجابيا أو سلبيا .. خيرا أو شرا ..
أراد أحدهم أن يدخل على القاضي لينصفه في مظلمة كانت عليه فاقترح عليه أحد أصدقائه أن يستعين بأحد الفصحاء في كتابة معروض يضمّنه الشكوى ويصف له الحالة .. وفعلا استعان بأحد الكُتّاب في كتابة العرض وعندما انتهى الكاتب من كتابة المعروض قرأه عليه فما كان من صاحبنا إلا أن بكى ولما سُئل لماذا تبكي قال لم أكن أعلم أني مظلوم إلى هذا الحد ..
قوة العبارة وحسن الصياغة يؤثر فينا سواء شعرنا أم لم نشعر .. سواء أردنا أم لم نرد .. التلقي والتأثر من الخصائص النفسية للبشر .. نحن لا نملك السيطرة في أحيان كثيرة على مشاعرنا عندما نسمع قصة أو خبرا .. نحن .. نتعاطف .. نحزن .. نفرح .. نغضب .. وأخطر ما في هذه العملية أن ما نسمعه يساعد في بناء الأفكار عن الآخرين وبالتالي الحكم عليهم .. إن خيرا فخير وإن شرا فشر .. حتى وإن كان كذبا أو معلومات خاطئة ولخطورة الوضع حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ..: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سَلِيم الصَّدر .. هذا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه خاف أن يتأثر فكيف بنا نحن .. وقال صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ .. ولذلك أيضا تعد الغيبة والنميمة من الكبائر .
يجلس أحدنا مع أحدهم وهو نقي القلب .. لا يحمل على فلان أي محمل ولا يذكره إلا بالخير .. ثم يقوم وهو متغير القلب والفكر .. بسبب قصة سمعها أو تفسير ظني من رجل مريض .. ولا يقتصر الحال على الأحياء بل لقد طال الأموات في قبورهم وخاصة الأئمة والأعلام .. يدخل نواياهم ويفسر سلوكياتهم وينقل الشبه والروايات المكذوبة عنهم .. ليس هذا موضوع حديثنا ولكنه استطراد للتوضيح فقط ..
وتزداد خطورة الكلمات عندما يكون المتلقي فارغا .. تجد لها مكانا في عقله فتعبث به .. إنها مثل السلاح الفتاك .. اشبه ما يكون بالكيماوي كم فرقت بين الأزواج والأصحاب والإخوان .. تكون الزوجة سعيدة في بيتها ومع زوجها ثم تجلس إلى شيطان بشري تحدثها بالقصص الخيالية عن حياتها الرومنسية وعن كرم زوجها وعن العطاءات الوهمية وعن الرحلات والهدايا .. فينقلب كيان المسكينة فوق تحت ويخرب بيتها ..
ويجلس الشاب المتفوق إلى شاب أخر فاشل .. يقول له ( ماذا تريد بالشهادة .. وأنظر لخرجين الجامعة لم يتوظفوا .. ) وما إلى ذلك من الكلام المحبط لينتقل بعدها المتفوق إلى إنسان فاشل متردد يائس بعد أن كان مثال للهمة والعزيمة والنشاط .. إنها سطوة الكلمة .. ولذلك تأثير الأصدقاء ليس على الأخلاق فقط .. إنهم يؤثرون وبشكل كبير على النشاط والعزيمة والتفاؤل ..
أيضا عندما تُحدّث أحدهم عن موقف بسيط حدث لك مع أحد الاخوان أو الأصدقاء ( من باب الفضفضة ) يأتي إليك بتفسيرات لم تخطر على بال ابليس ( يقصد كذا ، وهدفه كذا ويخطط لكذا ) فينقلب رأسك الفارغ رأسا على عقب ويوغل صدرك وتأخذك الظنون والأفكار . إنها سطوة الكلمة
ولذلك مهما كانت ثقافة الإنسان وعلمه يجب أن يكون على حذر .. التأثر بمن نجالس وبما نسمع نتيجة حتمية إنه طبع من الطبائع البشرية ولذلك خاف العقلاء وانتبهوا وكانوا على حذر ... لم يهتموا لكثرة المادحين .. أو لقدح الكارهين .. تشكل لديهم مع كثرة التجربة مناعة ضد الغرور مع المدح ومناعة ضد الإحباط مع الذم . هذا التوازن قل من يصل إليه ولذلك مهما كانت ثقافتك أو علمك .. لا تأمن التأثر .. ربما كلمة من رجل حاقد تنقلك إلى عالم من الإحباط القاتل أو الهم والتفكير وربما كلمة من رجل عامي في الشارع تنقلك إلى عالم جميل من الانتعاش والنشوة ..
وهذا من غرائب النفس البشرية .. عندما يمدحها شخص أوعدد قليل من الأشخاص تفرح وكأن الناس جميعا راضون عنها رغم أنه ربما يكون هناك العشرات الآخرين غير راضين.
جلست مرة مع أحد الشباب .. فذكر موقفا قديما لي وشكرني ودعا لي يقول عندما أردت الزواج خطبت عند أسرة كريمة .. وكان لا بد لهم أن يسألوا عني وهذا شيء طبيعي .. وكنت أنت من اختار عمي(والد العروس) ليسأل عني يقول مدحتني وأثنيت عليّ وكنت سببا بعد الله في القبول واتمام الزواج .. الكلام هذا قبل سنوات .. لا أذكره تماما .. ولكن عندها خطر على بالي سؤال مهم جدا جدا .. ماذا لو كنت أكره الشخص أو كان الشخص المسؤول يكره الشخص ولا يخاف الله ولم يعطه حقه من الذكر الطيب .. هل كان سيتم الزواج .. بالتأكيد .. لا ..
وهذه إشكالية كبيرة .. كيف نبني الأحكام أحيانا على رأي شخص واحد فقط وكيف يؤثر فينا سلبا أو إيجابا ..
وعلى الصعيد الفكري هناك قوة خفية لأفكار الآخرين يزيّنها الهوى والشهوات أحيانا ويمنحها أجنحه لتحلق وتعشش في رؤوسنا ويمنحها القدرة على النفاذية والتغلغل في ذواتنا والتأثير فينا .. كم رجل فقد توازنه وغير أفكاره بسبب رأي سمعه من فلان أو علان كان متعصبا لهذا الرأي ثم بين عشية وضحاها تحول إلى مناهض له .. كم رجل أصبح مغسول الدماغ غره علمه وثقافته فعثر .. ولا اسوأ ولا اصعب من عثرات الفكر والتحول الفكري .. والقصص كثيرة في هذا المجال والتحولات أكثر من أن نحيط بها .. على جميع الأصعدة الدينية والاجتماعية والفكرية . أحيانا يكون التغير إيجابيا للأفضل وأحيانا بل غالبا ما يكون التحول إلى الاسوأ .
عندما نقول :الأفكار عدوى .. مثلا عندما تجلس إلى شخص مستقيم محافظ منضبط قولا وعملا ( سلوكه الانضباطي هذا ) يجعلك تشعر أنك مقصر في عباداتك وطاعاتك وتخجل من بعض افعالك وتصرفاتك وهذا يجعلك تراجع حساباتك وتحاول أن تعدل من سلوكك . وعندما تجلس إلى شخص مقصر أو متهاون ترى نفسك متميزا وأنك في حال أفضل من غيرك .. وهذا يجعلك راضياً عن نفسك تماما وشيئا فشيئا .. تنسحب أو تنزل بمعنى أدق حتى تصل إلى نفس حالته وربما اسوأ إذا لم تنتبه .
وهذا لا ينطبق على الدين فقط بل أيضا على السلوك العام .. عندما يسافر أحدنا إلى أحد البلاد الأوربية يخجل من التصرفات التي تخالف المجتمع .. فتجده مثلا لا يرمي النفايات في الشارع ولا يقف في الأماكن الممنوع الوقوف فيها ولا يبحث عن الواسطة لتخليص أعماله .. إلى آخره من السلوك المثالي . فالأفكار والسلوك عدوى .. من يجلس في مكان أو مع أناس ثقافتهم ضحلة وأفكارهم منحلة وألفاظهم نابية .. عليه أن يتوقع أنه سوف يجاريهم وأن العدوى ستصله شاء أم أبى ولن يكون بمنأى عن التأثر .
بقي عندنا من عنوان المقال الأدلجة وما علاقتها بموضوعنا هذا
الأيديولوجيا أو الأيديولوجية : هي باختصار كبير وبدون كثرة كلام : علم الأفكار وجاء في تعريفها في الويكيبيديا .. " التعريف الأكثر تكاملاً يحدد الأيديولوجيا بأنها "النسق الكلي لـلأفكار و المعتقدات و الاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة .
وهي تعني تبني الأفكار التي تُبنى منها النظريات و الفرضيات، التي تتلاءم مع العمليات العقلية لأعضاء المجتمع. وقد انتشر استعمال هذا الاصطلاح بحيث أصبح لا يعني علم الأفكار فحسب، بل النظام الفكري والعاطفي الشامل الذي يُعبّر عن مواقف الأفراد من العالم و المجتمع و الإنسان "
إذا الأيدلوجيا هي علم الأفكار .. وكل شخص يتأثر بفكر محدد إلى درجة الاستحواذ .. يسمى "مؤدلج" سواء كان التأثر إيجابيا أو سلبيا .
وعندما تكون الأدلجة إجابية أو دعونا نقول حميدة إذا صح التعبير تكون نتائجها بناءة ومفيدة للفرد والمجتمع وعندما تكون الأدلجة سلبية أو خبيثة إذا صح التعبير تكون نتائجها وخيمة على الفرد والمجتمع ..
فمن تأثر بفكر الرسول والصحابة والتابعين مؤدلج أدلجة حميدة نافعة ومن تأثر بالفكر الغربي وخاصة الأفكار المنحلة المناهضة للأخلاق والفضيلة وانسلخ عن جلده .. أيضا يسمى مؤدلج ..
وشتان بين مشرق ومغرق
وهنا رسالة إلى كل من يعاني من الأدلجة السلبية ثم يرمي ( بلاه على غيره )
رمتني بدائها وانسلت ..
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني .. أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني .. وعلمت أنك جاهل فعذرتكا

كتبها / حامد علي عبد الرحمن


[/size]

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 04:00 مساءً الأربعاء 15 أغسطس 1441.