• ×

10:08 مساءً , الخميس 26 يونيو 1441

المسكون / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  1318
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
  المسكون / حامد علي عبد الرحمن
لم يكن لديه خيار آخر .. كان لا بد له من اتخاذ هذه الخطوة .. كان لا بد له من تجربة هذه المغامرة وهذا النوع من الرياضة .. فهي الأمل الوحيد المتبقي له بعد الله لاستعادة الطاقة والحياة والنور الذي فقده ..
لم يتخذ هذا القرار من فراغ .. اتخذه بعد أن استنفذ جميع المحاولات وسلك جميع الدروب .... دون جدوى .
هذا التكلس والجمود وهذه القسوة في روحة وهذا التحجر في قلبه ... وصل إلى درجة لا يمكن السكوت عنها ..
لم يكن اتخاذ القرار سهلا .. إنه قرار مجنون متهور وخطير في الوقت نفسه.
بدأ في تجهيز عدة الرحلة قبلها بأيام .. جهز كل شيء وركز على (الميرة) وهي الحاجات الضرورية من الطعام التي سوف يحتاجها في رحلته .. جهز ما يكفيه لمدة أسبوع على الأقل ( خبز ، معلبات ، عصائر ، سكر شاهي .. الخ )
أخبر الأهل والأصدقاء بنيته وأن قراره نهائي لا رجعة عنه فعل ذلك حتى لا يترك لنفسه فرصة للتراجع في حالة الضعف
في الليلة التي سبقت اليوم المحدد للتنفيذ لم ينم جيدا كان يفكر في نتائج هذه المغامرة الجريئة .. أسئلة كثيرة كان يعالجها .. ورغم تهربه منها ومن الإجابة عليها .. إلا أنها كانت تلح عليه وتحاصره بقوة فأقلقت مضجعه ولم تجعله يرتاح في نومه .. كان يتجاهل كل شيء سوف يعيقه .
لم ينسَ شيئا من أعراض الرحلة وخاصة ( الجاكيت ) الجيشي السميك ذو الجيوب الكثيرة .. وأيضا لم ينسَ السلاح .. فالمكان خطير إنه مهجور وبعيد عن حياة البشر لا شك أنه ( مسبعة )
ليست رحلة رفاهية هو يعلم ذلك . مجرد كيس نوم بسيط سيفي بالغرض وسيكون فراشَه ولحافَه
في اليوم المحدد للانطلاق والذي تم اختياره ليوافق نصف الشهر ليستفيد من القمر .. بدأ الرحلة بخطوات ثقيلة جدا يقدم رجلا ويؤخر الأخرى ..
المسافة 30 كلم متر تقريبا ، عقبة تستغرق ما يقارب خمس ساعات مشيا على الأقدام .
ليس هناك وسائل اتصال .. المكان بعيد جدا عن العمران وعن وسائل الحياة
يتذكر صورة أطفاله وزوجته فيضعف ويتوقف ويهم بالرجوع ثم يتذكر الحالة التي وصل إليها من قسوة القلب ويتذكر الهدف والنتائج المتوقعة فتشتد عزيمتُه
يتذكر كلمات التحذير والإنذار من الأهل والأصحاب ..
يتذكر كلمات الرجاء من محبيه في التراجع عن هذه الفكرة المجنونة
يتذكر كلام أحد العقلاء عندما قال له هذا المكان لم ينم فيه أحد بمفرده من قبل حتى والحياة تضج فيه .. فكيف الآن وهو مهدّم مهجور لا يسكنه إلا الهوام .. والجن .
تذكر كلام والده وهو يحذره من المبيت في مكان محدد سماه له وقال عنه هذا مكان (( مولي )) أي مسكون بالجن ..
كل ذلك لم يثنه ولم يفت في عزيمته ولم يجعله يغير رأيه .. يجر خطاه جرا .. أخذ يستعيد ما يحفظه من قصيدة بن زريق البغدادي ويترنم بها .. وهي من أجمل ما قيل في الوداع .. والتي مطلعها :
لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ
جاوَزتِ فِي لَومهُ حَداً أَضَرَّبِهِ مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ اللَومَ يَنفَعُهُ
فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ الدَهرِ أَضلُعُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُرّوعُهُ
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ
استَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
لا أَكُذب اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ

عندما وصل إلى الشفا وقبل أن يصل إلى بداية العقبة الرجلية .. التي سينطلق منها .. ألقى نظرة أخيرة على القرية .. وتقدم ضاغطا على مشاعره وعاطفته ..
وتساءل فيما بعد لماذا لا يكون مثل غيره ؟ .. لماذا هذا التحسس من التقصير ؟ لماذا هذا الشعور بالذنب ؟ ولماذا يجلد ذاته بهذه القسوة ..
ومن أين أتت مثل هذه الأفكار المجنونة .. هل هي .. التربية ، البيئة ، المجتمع .. أم هي القراءات
أياً كان السبب فهو يشكر الله كثيرا على ذلك .. إنها نعمة كبيرة أن تستشعر النقص والخلل وتحاول أن تعالجه وتتغير ..
وعندما نتكلم عن الأفكار والتأثر بالأفكار .. هو يسخر من أولئك الذين يسقطون أفكارهم السلبية التي وصلوا إليها أو وصلت إليهم .. إلى غيرهم ويصبون جام غضبهم على المجتمع أو الأسرة أو المناهج أو التربية أو التعليم .. محاولين التنصل والتهرب وتبرئة ساحاتهم ... المشكلة فيهم أنفسهم .. المشكلة في قصور الفهم عندهم ...
ربما هناك دور وعلاقة للاخرين وأفكارهم في أفكارنا ولا شك في ذلك .. ولكن عندما أتأثر تأثيرا كبيرا بفكر محدد .. أو تيار محدد .. ثم أكتشف فيما بعد أنه خطأ .. لا ينبغي أن أحمّل غيري كافة المسؤولية ..
عندما يتأثر شخص بتيار أو فكر معين .. المشكلة ليست في التيار أو في الفكر بقدر ما هي فينا نحن .. أحيانا .. نكون بيئة خصبة قابلة للتلقي وربما سذاجتنا وسطحيتنا هي السبب الذي يجعلنا نندفع هكذا ..
إذاً المشكلة فينا نحن .. نقلد .. ونعتنق .. وننافح .. وندافع .. ونتحيز .. ونتعصب .. ثم نكتشف أننا أخطأنا ثم نلعن ونسب .. ونصب جام غضبنا على هذا التيار أو ذلك المذهب .
لم نكن منصفين في الأخذ .. ولم نكن منصفين في الترك
التفكير.. إرادة .. وحضور .. واستقلال .. وشجاعة .. ومسؤولية .. وخيار إيماني ..
ثم يرجع صاحبنا ويتساءل ، لماذا ؟
لماذا الناس بطبيعتهم عموما ينفرون من التفكير ويتباعدون عن كل ما يوقظ العقل لديهم من سباته . ولماذا نجدهم يبحثون على الدوام عمن يفكر نيابة عنهم ؟ ..
ولكل هذا .. ظهرت المرجعيات والرموز وتضخيمهم والتعلق بهم ومن هنا ظهر التقليد الأعمى والتبعية . يتوارث الناس عادات يطبقونها بحذافيرها دون تفكير .. عادات أحيانا تكون مضرة جدا .. وأحيانا تكون مخجلة .. واحيانا تكون ساذجة .. وأحيانا أخرى تكون ظالمة لفئات من المجتمع ومع ذلك يطبقونها بكل أريحية ويستمرون عليها بكل إصرار .. هذا لأنهم عطلوا العقل .. وآثروا التقليد .. فاصبحوا عبيدا لأفكار محددة يتوارثونها .. وإذا خرج أحدهم بفكرة جديدة وهذا نادرا ما يحدث .. حاربوه ووقفوا له بالمرصاد ..
اخطر أنماط العبودية هي عبودية العقل .. إنها تفضي إلى عبودية الروح والعواطف والمشاعر والضمير . الجبان عقله مشلول ، لا طاقة لديه للتفكير وذلك أن التفكير شجاعة وأحيانا تكون ضريبته موجعة .
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
إذا فكرة هذه الرحلة التي خطرت على بال صاحبنا وبهذا القوة لا ينبغي أن يتحمّل مسئوليتها أحد غيره .. هو من فكر فيها وهو من قرر تجربتها
السبب الأساسي يكمن في فهمه هو .. وفي تفكيره هو .. لا غيره
وفي فهمه .. أن الخوف هو أحد أهم أسباب التغيير .. فقرر تلك الرحلة بحثا عن الخوف ..
ربما هذا غريب .. ولكنه حقيقة
نعم بحثا عن الخوف ..
لأننا عندما نخاف .. يستيقظ الإيمان في داخلنا .. وهذا هو المطلوب .. وهذا ما يبحث عنه صاحبنا بالضبط .. الحياة المادية تجعلنا .. في جمود .. وتجعلنا قساة .. فلا بد من الخروج ولو قليلا عن هذا العالم المتحجر
وفي فهمه أيضا أن الإنسان خُلق وحيدا ويعيش وحيدا ويموت وحيدا ..
مهما كان الآخر مقربا منك لا يمكن أن يفكر بنفس تفكيرك أو يشعر بمثل مشاعرك .. ولنأخذ المرض مثلا .. عندما تعاني من وعكة صحية .. مهما كان من حولك يحبونك حتى وأن كانوا مستعدين لتحمّل الألم نيابة عنك .. لن يستطيعوا .. ربما تجدهم يبكون بجانبك ولكنهم لا يستطيعون عمل شيء..
فالإنسان خلق وحيدا ويعيش وحيدا ويموت وحيدا وسوف يبعث وحيدا ويحاسب وحيدا ..
هذا فهمه وهذا ما يُرعبه ويزيد من قلقه .. وهذا أيضا ما يجعله يبحث عن القوة الحقيقة .. والأمان ..
ما جعل صاحبنا يبحث عن إيقاظ الإيمان بداخله هو فهمه وإدراكه لضآلة الدنيا مع الآخرة .. فهو يفهم أن الحياة الدنيا ما هي إلا مجرد محطة عبور .. جزء من مليار جزء .. وهذه للتقريب وإلّا هي أقل من ذلك بكثير ..
هذه المفاهيم جعلته يتخذ هذا القرار ويقدم على هذه الخطوة .. لمعرفته أن العزلة والوحدة تنقي الروح وتطهر النفس وتلين القاسي وتصقل العواطف وتذهب خبث النوايا وتذيب الجمود وتقوي العزيمة وتنير القلب وتشعل الفكر وتوسع المدارك وتزيد العقل ..
العزلة ورياضة النفس هو فعل الأنبياء والرسل والصالحين ..
بدأ صاحبنا يتلمس معالم الطريق ( العقبة الرجلية ) التي كادت معالمها أن تختفي بل إنها اختفت فعليا في الكثير من الأماكن .. مما زاد الأمر سوءاً وصعّب عملية النزول وأصبح النزول عشوائيا .. وهذا يرهق الجسم وخاصة الرُكب وأيضا يزيد من قلق الضياع ..
حمل معه ( جركل ) من الماء احتياطا .. رغم أنه يعرف مكان عين ماء في منتصف الطريق ينوي ان يتزود منها بالماء .. الجركل في يد والأغراض الأخرى في يد .. والشنطة على ظهره .. ولثقل الحمل كان يضطر أن يجعل فترات الاستراحة متقاربة ..
الخطة أن يتوقف في منتصف الطريق عند عين الماء يصلي الظهر ويتغدى ويتزود بالماء .. كان المتوقع أن يصل إلى الموقع قبل الظهر بفترة كافية .. ولكن صعوبة الطريق وثقل الحمل جعلته يتأخر .. فلم يصل إلا ظهرا .. وضع أغراضه .. واتجه مباشرة إلى عين الماء وفي طريقه نظر إلى القبر المكشوف والذي يسمح للناظر أن يرى العظام بكل وضوح .. بل يستطع أن يمسكها بيديه .. تأمل القبر وتذكر ما قيل عنه .. قيل أنه قبر لأحد الغرباء توفي في الطريق قادما من تهامة قاصدا السراة فدفنوه أصحابه في هذا المكان ..
يا ترى ماذا كان يخطط له قبل أن يفاجئه هادم اللذات ؟ في هذا المكان
وهل كان يعلم أن نهايته ستكون بهذا الشكل ؟
والأهم ما هو حاله الآن ؟
تذكر مالك بن الريب وقصيدة المشهورة ..
ألاَ لَيتَ شِعرِي هَـلْ أبيتَنّ ليلةً بجَنبِ الغَضَا ، أُزجي القِلاص النّواجِيا
فَلَيتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ وليـتَ الغَضَا مَاشىَ الـركابَ لَياليِا
لقد كان في أهل الغضا، لو دنا الغضا .... مـزارٌ، ولكـنّ الغضـا ليْسَ دانيا
....
تَذَكّرْتُ من يَبْكي عليّ ، فلمْ أَجِدْ .... سِوَى السَيْفِ والرّمحِ الرُّدَينيِّ باكيا
وَأَشْقَـرَ خِنْـذِيذٍ يَـجُرّ عِنـَانَهُ .... إلى الماء، لم يتْـرُكْ لَهُ الدهْـرُ ساقيا
ولَكِـنْ بِأَطْـرَافِ السُّمَيْنَة نِسْـوَةٌ .... عَـزيزٌ عَلَيْهِـنّ العـشيّةَ ما بيا
صَـرِيعٌ على أيْدِي الـرّجَالِ بِقَفْرَةٍ .... يُسَـوُّوْنَ قَبْـري، حَيْثُ حُمَّ قضائيا
وَلَمّـا تَـرَاءَتْ عِنْـدَ مَـرْوٍ مَنيّتي .... وَحَـلَّ بِهَا جِسْـمي، وَحَانَتْ وَفَاتِيا
أَقـولُ لأصْـحابي ارْفعـوني لأنّني .... يَقِـرّ بِعَيْـني أن سهَيـلٌ بَـدَا لِيا
فيا صاحبَي رحلي! دنا المَوْتُ، فَانزلا .... بـِرابِيَـةٍ ، إنّـي مُـقِيـمٌ لَيـاليِا
أَقيما عليّ اليَوْمَ ، أو بَعْـضَ ليلةٍ .... ولا تُعْجِـلاني قـد تبيّـنَ ما بِيا
وَقُوما ، إذا ما استُلّ روحي ، فهيِّئا .... ليَ القـبرَ والأكفـانَ، ثُمّ ابكيا ليا
وخُطّا بأطْـرَافِ الأسِنّةِ مضجعي .... ورُدّا علـى عَيْنَـيَّ فضـلَ ردائيا
ولا تحسُـداني ، باركَ اللَّهُ فيكما .... من الأرْضِ ذَاتِ العَرضِ أن توسِعا ليا
خُـذَاني ، فجُـرّاني بِبُرديْ إليكما .... فقـد كُنْتُ ، قبل اليوم ، صَعباً قِياديا
فقد كنتُ عطَّافاً، إذا الخيلُ أدْبَرَتْ .... سَـريعاً لـدى الهَيْجا، إلى مَن دعانِيا
وقد كُنْتُ محموداً لدى الزّاد والقِرَى .... وعـنْ شَتْـمِ ابن العَمّ وَالجارِ وانِيا
وَقد كُنْتُ صَبّاراً على القِرْن في الوَغى ثَقِيـلاً على الأعـداء، عَضْباً لسانيا
يقولون :لا تَبعُدْ ، وهُم يدفِنونني .... وأيْـنَ مَـكانُ البُعْـدِ إلاّ مَـكانِيا؟
غَدَاةَ غَدٍ، يا لَهْفَ نَفْسي على غدٍ .... إذا أَدْلجـوا عـني ، وخُلّفتُ ثاويا
وَأَصْبَحَ مالي ، من طَريفٍ ، وتالدٍ .... لِغَيْـري وكان المالُ بالأمـسِ ماليا
ويا لَيْتَ شعري هل بَكَتْ أُمُّ مالكٍ .... كمـا كُنْـتُ لَوْ عَالَوا نَعِيَّكَ باكيا
إذا مُتُّ فاعْتَادي القُبُورَ ، وسلّمي .... على الرَّيمِ ، أُسقيتِ الغَمامَ الغَواديا
تَرَيْ جَدَثاً قد جَرّتِ الرّيحُ فوقَه .... غُبـارًا كلـونِ القسْطَـلانيّ هَابِيا
رَهِينـة أَحْجَـارٍ وتُرْبٍ تَضَمّنَتْ .... قَـرارَتُها منّـي العِظَـامَ البَوالِيا
فيـا راكِباً إمّا عَـرَضتَ فبلّغَنْ .... بني مالكٍ والـرَّيْبِ أنْ لا تـلاقِيا
وَبَلّغ أخي عِمران بُردي وَمِئزَري .... وبلّغ عَجُوزي اليومَ أن لا تـدانيا
وَسَلّمْ على شيخيّ مِنيّ كِلَيْهِما .... وبلِّغ كَثـيراً وابْنَ عمّـي وخَاليا
وعطِّل قَلوصي في الرِّكاب، فإنّها .... ستُـبرِدُ أكباداً وتُبكـي بَواكِيا
أُقَلِّبُ طَرْفي فَوْقَ رَحْلي، فلا أرَى .... بِهِ مـن عُيُونِ المُؤْنِساتِ مراعِيا
وبالرَّملِ منّي نِسْـوَةٌ لـو شَهِدنَني .... بَكَيْنَ وَفَـدّيْنَ الطّـبيبَ المُداويا
فمِنْهـُنّ أُمّـي، وابْنتاها، وخالتي .... وباكِيَةٌ أُخـرى تَهِيـجُ البَواكِيا

كان يستعيد ما أسعفته به الذاكرة من هذه القصيدة الرثائية الحزينة المبكية ... ويتساءل هل ممكن أن تكون نهايته كما نهاية صاحب هذا القبر
صاحب هذه العظام كان برفقة أصحابه .. كفنوه وقبروه وكذلك مالك بن الريب .. أما هو فلا يوجد من يكفنه أو يصلي عليه أو يدفنه .. أقشعر بدنه من مجرد التفكير في مثل هذه النهاية .. واستجار بالله من ذلك ..
تابع مسيرته إلى عين الماء ووجدها للأسف ناضبة جافة .. والمكان موحش .. عاد أدراجه حيث ترك أغراضه .. وأعاد حساباته في استهلاك الماء فتوضأ مسحا توفيرا للماء وصلى الظهر وأخرج الميرة .. وأخرج براد الشاهي وجمع الحطب ليصنع الشاهي .. ولكنه غير رأيه اكتفى بقطعتين من بسكوت التمر مع علبة حليب .. كسبا للوقت .. لأنه كان قلقا من باقي الطريق ومن مفاجآتها .. كان من المهم أن يصل إلى الموقع الذي حدده قبل حلول الظلام بوقت كافٍ ليجهّز مكان المبيت ..
تأبط أغراضه وتلمس طريق العقبة مجددا وتابع سيره ..
وأبيات مالك بن الريب عالقة في ذهنه
خُـذَاني ، فجُـرّاني بِبُرديْ إليكما .... فقـد كُنْتُ ، قبل اليوم ، صَعباً قِياديا
....
يقولون :لا تَبعُدْ ، وهُم يدفِنونني .... وأيْـنَ مَـكانُ البُعْـدِ إلاّ مَـكانِيا؟
غَدَاةَ غَدٍ، يا لَهْفَ نَفْسي على غدٍ .... إذا أَدْلجـوا عـني ، وخُلّفتُ ثاويا
....
تظهر أثار العقبة وتختفي .. والحقيقة أنها .. حتى وأن ظهرت فهي لم تعد صالحة للسير .. ظهورها فقط يجعله مطمئنا على أنه يسير في الطريق الصحيح فقط ..
وصل إلى المكان الذي حدده قبل المغرب بقليل ليكون آخر مكان في الرحلة .. وصل إلى البيوت القديمة وقد تهدمت جميعا لم يبقَ فيها بيتٌ سالما مما زاده وحشة ورهبة .. استحضر وتخيل ساكنيها .. وكأنه يسمعهم بل كأنه يراهم ..
استحضر أصوات الأغنام عندما تعود من المرعى .. استحضر أصوات (المهراس ) ( النجر ) .. استحضر أصوات التراحيب والتساهيل بالعائدين من المزارع عند الغروب ..
استحضر .. الضحكات .. وقصص المغامرات ..
استحضر .. رائحة المكان .. رائحة البن والكادي والريحان
استحضر .. منظر أشجار الموز ..
وتساءل ؟
يا تُرى ما هو حالهم .. ولو استطاعوا العودة .. ماذا سيقولون ..
يا ترى ماذا ستكون ردة فعلهم لو رأوا ما آلَت له بيوتهم ومزارعهم التي أفنوا اعمارهم في بنائها ..
نفث زفرة عميقة .. مصحوبة بقول .. رحمهم الله وغفر لهم وأسكنهم فسيح جناته ..
حطَّ ما معه من أحمال .. وانطلق مسرعا .. إلى عين الماء الكبيرة التي يعوّل عليها والتي لا تنقطع طوال العام .. لم يكن الوصول إلى مكانها سهلا .. تغيرت الأماكن واندثرت الطريق .. استدل على مكانها بصعوبة
يرى الماء من بعيد .. ولكنه لا يستطيع الوصول إليه .. الطريق الموصل إليه متهدم ..
حاول النزول .. فانزلقت قداماه .. وسقط .. وتزحلق إلى أن وصل إلى الماء .
لا زال بيت مالك بن الريب حاضرا في ذهنه ..
يقولون :لا تَبعُدْ ، وهُم يدفِنونني .... وأيْـنَ مَـكانُ البُعْـدِ إلاّ مَـكانِيا؟
تفقد جسمه، سليم ولله الحمد .. السقوط ساعده للوصول إلى الماء ..
حكمة ..
السقوط احيانا كثيرة يكون سببا للوصول ..
لولا انه سقط لما وصل .. شرب وغسل وجهه، ملأ ابريق الشاهي وقارورة ماء فارغة أخرى كانت معه .. وبصعوبة تسلق ورجع إلى حيث ترك الأغراض ..
بحث عن مكانٍ مستوٍ .. يصلح للمبيت .. تذكر المكان الذي حذره والده من المبيت فيه .. وقال عنه أنه (( مولي )) ومسكون بالجن ..
لا زال معتدا بنفسه .. ولازال يشعر بالشجاعة .. رغم مشاعر الخوف التي شعر بها
(الشجاعة لا تعني ألّا تخاف، الشجاعة هي في القدرة على التغلب على الخوف وإخفائه ) .. وقرر أن يتحدى نفسه ويبيت في نفس المكان الذي حذره والده منه ..
جمع الحطب .. أوقد النار ..
وضع الأبريق عليه ..
ذهب يجمع المزيد من الحطب .. هبت رياح قوية كادت أن تسقطه .. جمع ما استطاع من الحطب .. وعندما عاد وجد ( براد الشاهي ) مقلوبا على الأرض والنار خامدة ..
استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ..
وتذكر أنه لم يبدأ بداية صحيحة ولم يتأدب مع ساكني المكان .. ولم يستأذنهم في المبيت ..
فرجع .. ورفع صوته بقوله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
وتذكر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَرَى قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا، إِلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ، وَمَا ذَرَيْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ، وَمَا أَضْلَلْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا.
فرفع صوته بذلك .. وكرره ثلاثا ..
وتذكر دعاء نزول المكان وقول النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ .
فكرر ذلك أيضا وبصوت مرتفع ..
كان وقت صلاة المغرب قد دخل ..
فبحث عن مكان مرتفع وصعد عليه ورفع صوته بالأذان ..
جهز مكانه ..
أظلم الليل .. تذكر ان أقرب انسان منه يبعد حوالي ٣٠ كلم ..
أقام صلاة المغرب .. ورفع صوته بالقراءة ولأول مرة يشعر بهذا الشعور أثناء الصلاة .. كان خاشعا ومتعلقا بالله ...
أكان يحتاج أن يقطع كل هذه المسافة حتى يشعر بهذا الشعور ..
أشعل النار مجددا .. ووضع براد الشاهي عليه ..
أخرج أكياسه .. خبز وعلبه تونة وجبنة .. أوقد شمعتين .. تناول عشاءه ..
اقبل الظلام .. حالكا جدا ..
انتظر القمر .. لم يظهر ..
حجبته الجبال العملاقة ..
هدوء رهيب جدا ..
يقطع هذا الصمتَ الرهيب صوتٌ أكثر رهبة ، صوت يشك انه ( نحيب ) سبع ليس بعيدا عنه
ضبع ( جعري ) ربما ولكنه مختلف .. هو يعرف صوت الضبع .. أصوات مختلطة .. صوت ضبع مؤكد وهناك صوت آخر .. أيكون النمر العربي ..
زاد قلقه .. تلمس جيبه وأخرج مسدسه تفقده وتأكد من جاهزيته ولم يعده الى مكانه ، جعله قريبا منه ..
راعه صوت خشخشة قريبة منه .. تذكر ( الكشاف ) اخرجه ،أضاءه ورفعه .. هناك شيء يتحرك .. اقشعر بدنه .. لبرهة ..
لا بأس .. ما هو إلا حيوان ( النيص )
قرر ان يصم أذنيه عن اي صوت .. يجب ان لا تشغله مثل هذه الاصوات الطبيعية ..
لن يستطيع أن ينفذ برنامجه لو استمر على هذا الحال من التحسس والتوجس ..
لم يهتم كثيرا بشأن الحشرات والزواحف عموما وخاصة العقارب والثعابين .. لأنه يعلم أنها لا تهاجم الا من يهاجمها .
كان همه منصباً على السباع وخاصة الوشق .. القط البري .. لانه سمع عن سرعته ومباغتته ..
ولذلك عندما أراد أن ينام رفع القبعة من فوق رأسه وأخرج رأسه من الكيس .. حتى لا يتفاجأ بما لا تحمد عقباه
كانت ليلة .. مدهشة .. بمشاعرها وأحداثها ..
إنها قصة أخرى .. سوف نستفز صاحبنا لعله يحدثنا عنها في قصة مستقلة .

رابط الجزء الثاني

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 10:08 مساءً الخميس 26 يونيو 1441.