• ×

07:49 صباحًا , الخميس 16 أغسطس 1441

وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  640
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ / حامد علي عبد الرحمن
يحدث في هذا لبس كبير عند الكثير من الناس ما الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وفي ماذا كان يخشى الناس ؟
خطبة جمعة بدون المقدمة والخاتمة الموضوع فقط / جامع قرية خفه

اللهم علمنا ما ينفعنا .. وانفعنا بما علمتنا .. وزدنا علمنا ينفعنا .
أيها الأخوة الكرام : قال تعالى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
سيكون حديثنا اليوم عن هذه الآية الكريمة وبالتحديد وعلى وجه الخصوص عن قوله تعالى: موجها خطابه للنبي صلى الله عليه وسلم وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ .. ما هو الشيء الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه .. حدث في هذا لبس كبير للأسف عند الكثير من الناس .
وللأسف أيضا هناك بعض الروايات الضعيفة التي تقول بذلك .. والتي تقول ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى زينب رضي الله عنها وهي عند زوجها زيد وأعجب بها وأخفى حبها .. وهذا كلام باطل عار عن الصحة ولا يتناسب مع عصمة الأنبياء ولا مكانتهم وخاصة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خير البشر فهو أرفع درجة وأعلى مكانة وأعظم قدرا من أن ينظر إلى ما حرم الله ..
إذا ما هو الأمر الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم ويخشى الناس فيه .. وقبل ذلك دعونا نتعرف بشكل سريع على زيد بن حارثة وأم المؤمنين زينب بنت جحش .. اشخاص القصة التي الحديث عنها .
منه زيد بن حارثه : ولد زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب في ديار قومه بني كلب أحد بطون قضاعة، وتعرض زيد للأسر وهو غلام صغير حيث اختطف وهو صغير وذلك قبل الإسلام، وبيع في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد ، فلما تزوجها النبي محمد وهبته له ، ثم مر زمن، وحج أناس من قبيلته ، فرأوه فعرفهم وعرفوه، ثم عادوا وأخبروا أباه بمكانه، فخرج أبوه حارثة وعمه كعب يفتدونه. والتقوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم وطلبوا فداءه، فدعاهما إلى تخيير زيد نفسه إن شاء بقي، وإن شاء عاد مع أهله دون مقابل. ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما ، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا. أنت مني بمكان الأب والأم فتعجّب أبوه وعمه وقالا : ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك ، قال : نعم. إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي اختار عليه أحدًا أبدًا ، فلما رأي النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك، خرج به إلى الحِجْر، وقال : يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني فلما رأى ذلك أبوه وعمه اطمأنا وانصرفا. فصار زيد يُدعي زيد بن محمد . ( هذا قبل أن يأتي المنع عن التبني فلما جاء الإسلام ونزل قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ . وقوله تعالى : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا . أوقف التبني والانتساب إلى غير الآباء هذا هو زيد أما زينب بنت جحش رضي الله عنها فأسمها زينب بن رئاب بن يعمر ولدت قبل الهجرة النبوية وقد كان اسمها بَرَّة، فسماها النبي زينب، وتُكنّى بأم الحكم. وهي ابنة أميمة بنت عبد المطلب أي أبنة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم .. هاجرت زينب إلى يثرب بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي يثرب، خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة، فأبت زينب في البداية، إلى أن نزل الوحي بقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ، فقبلت زينب الزواج بزيد. وكان هذا الزواج مثالاً لتحطيم الفوارق الطبقيَّة الموروثة قبل الإسلام، بزواج زيد وهو أحد الموالي من زينب التي كانت تنتمي لطبقة السادة الأحرار. إلا أن هذا الزواج لم يسر على الوجه الأمثل، فدبّ الخلاف بين زينب وزوجها زيد، فمكثت عنده قريباً من سنة أو فوقها، وكان زيد يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تعاظمها عليه ، ويخبره بعزمه على تطليقها، ، فيردّه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ... هذه قصة زواجها من زيد باختصار ..
نرجع إلى قوله تعالى وتخفي في نفسك ما لله مبديه ..
النبي صلى الله عليه وسلم .. كان يعلم عن طريق الوحي أن هذا الزواج لن يدوم وأن زيد سوف يطلق زوجته .. وأنه صلى الله عليه وسلم سوف يتزوجها .. روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. فقوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخفى في نفسه ما يعلمه من أن زيداً سيطلق زينب، وأنه صلى الله عليه وسلم سيتزوجها قال أبو بكر بن العربي: إنما قال عليه الصلاة والسلام لزيد أمسك عليك زوجك، اختباراً لما عنده من الرغبة فيها أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النفرة التي نشأت بينهما أذن له في طلاقها.
فكان صمت النبي صلى الله عليه وسلم وعدم استعجاله في اخبار زيد والصحابة بطلاق زينب حياء منه صلى الله عليه وسلم وخشية من كلام الناس أن يقولوا أنه طلق زوجة ابنه بالتبني وأنه تزوجها .. واجتهادا منه صلى الله عليه وسلم يقصد أن يترك لزيد حرية الاختيار دون أن يكون هناك عوامل مساعدة أو أسباب خارجية .. ولكن الله أنزل في ذلك قرآنا يتلى وتوجيها صريح للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا حياء في الدين ولا حرج . والأصل هنا وليس للنبي صلى الله عليه وسلم فحسب بل للمسلمين جميعا أنه لو رأى المسلم صدفة أو فجأة محارم غيره الأصل أن يخفي ذلك ولا يظهره حتى ولو وقع في قلبه حبها فهذا من المروءة ومن الدين .. الإخبار بمثل هذه الأمور يؤرث الغل والشحناء . وما كان الله ليعاتب نبيه صلى الله عليه وسلم على إخفاء أمر كهذا لو كان حصل فعلا .. رغم أنه ليس صحيحا ولا يتفق مع عصمة الأنبياء . والدليل أيضا على أن ما أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم، في نفسه هو خبر زواجه من زينب بعد أن يطلقها زيد، هو قوله تعالى: مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فإن الذي أبداه الله تعالى هو زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب كان حقيقة واضحة للعيان ، ليست مشاعر أو عاطفة هذا زواج بأمر الله ولحكمه بالغة ولسبب بيّنه الله تعالى مباشرة في نفس سياق الآيات نتحدث عنه في الخطبة الثانية إن شاء الله
أيها الأحبة :
لما طلق زيد زينب رضي الله عنهما باختياره وبرضاه وبرغبته لأنه قضى وطره منها واتخذ قراره دون تدخل خارجي ، زوجها الله نبيه صلى الله عليه وسلم.
والسبب الرئيسي لهذا الطلاق ولهذا الزواج .. جاء مباشرة في الآيات نفسها .. دعونا نرجع للآيات ..
قال تعالى : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ..
السبب : لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم .. الحكمة الإلهية من ذلك هي قطع تحريم أزواج الأدعياء أي المتبنين بعد إبطال التبني نفسه، فالله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوَّج زينب زوجة زيد متبنَّاه ، للتأكيد على إبطال هذه العادة ، وهي عادة التبني، كان الرجل يتبنى طفلاً، وينسبه إليه، وهو ليس ابنه ، وهذا التبني يترتب عليه أشياء كثيرة جدا .. فلو تركت أمور التبني مفتوحة .. لعمت الفوضى واختلطت الأنساب . فلهذا السبب حرمه الله تحريما قطعيا وجعل قصة زيد وزينب دليلا واضحا على تحريم التبني وجعلها أكبر دليل على أنه لا يوجد تبني في الإسلام حيث تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من زوجة زيد الذي كان يدعى في الجاهلية زيد بن محمد .. مجرد زواجه صلى الله عليه وسلم من زوجة زيد دليل قطعي على أنه لا تبني في الإسلام ..
ولذلك قال تعالى أيضا كما ذكرنا في الخطبة الأولى : ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ . وقوله تعالى : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا .
والإسلام أيها الأحبة حرم الانتساب إلى غير الأب بأي حال من الأحوال وجعله كبيرة من الكبائر . فلا يجوز للإنسان أن ينتسب إلى غير أبيه لقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ .. وقد ذكرناه آنفا
ولما ثبت في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام.
وقد روى الشيخان- أيضا ـ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كافر.
والخلاصة أيها الأحبة : وهو ما اتفق عليه جمهور العلماء إن النبي صلى الله عليه وسلم .. لم يخفي في نفسه حب زينب رضي الله عنها أو تعلقه بها أو رغبته فيها بل أخفي أو أجل إعلان خبر طلاقها الذي علم به من قبل .. خشية أن يقول الناس : تزوج حليلة ابنه .
وهذا يتفق تماما مع عصمته فهو صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ والزلل ومن النظر إلى ما حرم الله أو التعلق بما حرم الله . وهذا هو اللائق بجنابه صلى الله عليه وسلم والمتناسب مع عظيم قدره .

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 07:49 صباحًا الخميس 16 أغسطس 1441.