• ×

10:12 مساءً , الخميس 26 يونيو 1441

فلسفة الهداية وكيف تحدث المناعة ضد الهداية ؟/ حامد علي عبد الرحمن .

بواسطة : admin
 0  0  870
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 فلسفة الهداية وكيف تحدث المناعة ضد الهداية ؟ / حامد علي عبد الرحمن .

فلسفة الهداية
وقبل أن أبدأ هنا إضاءة ..
في أحيان كثيرة نقوم ببعض التصرفات ( أقوال ، أفعال ، عادات ) لا تتفق مع قناعاتنا بل نقوم بها رغم إدراكنا التام أنها ليست صحيحة وأنها خطأ نقوم بذلك وكأن هناك من سيطر واستحوذ علينا وسلبنا الإرادة ...
نحاول جاهدين الخروج من هذه الدوامة من هذا الاستلاب من هذا الاحتراق من هذا الحصار من هذا النزف من هذا العذاب .. دون فائدة
وتمر الإيام ونحن نزداد سوءاً.. ونصل إلى درجة البلادة إلى درجة الإدمان .. إلى درجة المناعة ضد التّغير المناعة ضد الهداية .
وقبل أن اتحدث عن هذا المصطلح ،
ماهي الهداية التي اقصدها ؟ .
الهداية التي اقصدها هنا.. الطريق المستقيم .. السلوك المثالي ..وتعني الصواب من الأقوال والأفعال .. وليس بالضرورة أن يكون في الدين فقط أما ماذا نعني بمناعة ضد الهداية .. هذا المصطلح أزعم أنه من عندي ولذلك ربما لم تسمعوه من قبل .. واعني بذلك المقاومة .. والممانعة والمناهضة والمحاربة ويعني أيضا تكوين حواجز وحجُب كثيفة جدا وقوية تمنع التغيّر والتطوّر وتمنع الهداية تمنع الرؤية الصحيحة
أشبه بالمناعة التي تتكون لدى الفيروس والبكتيريا ضد العلاج والدواء فيصبح الدواء لا أثر له وتبقى الفيروسات تعيث في الجسم فسادا .
أعلم أن الموضوع شائك ومعقد وأعلم أيضا أنه يتقاطع مع قضايا كثيرة جدا جدا ولكني سأبذل جهدي في تبسيطه ووضع بعض الإشارات والإضاءات والتساؤلات التي قد تساعدنا في الخروج من هذا الضعف وهذه الانهزامية وترفع من مقاومة العقل والقلب وبالتالي الجسم . أمام هذه الظاهرة الخطيرة .. وأقول خطيرة وأنا أقصد ذلك ..
عندما نرتكب الخطأ ونحن لا نعلم .. فهذا بديهي وطبيعي ..
أما عندما نرتكب الخطأ ونحن ندرك ونعلم تماما أنه خطأ .. فهنا الخطورة
وعندما نستمر سنوات ونحن نجتر نفس الأخطاء ونفس الحماقات ونراوح مكاننا أو نلف في دائرة مغلقة لا نستطيع الخروج .. هنا الخطورة ..
والخطورة أيضا أن الأخطاء ينتج عنها اخطأ أخرى .. وهكذا .. أشبه ما يكون الحال مع كرة الثلج المتدحرجة . تبدأ صغيرة وتتضخم .
في عصرنا الحاضر لا تعوزنا المعلومة .. فهي متوفرة لدى الجميع والحصول عليها سهل جدا بل إنها أصبحت تشكل خطورة لاختلاط الغث مع السمين .. نحن نحتاج الإرادة والتنفيذ نحتاج تطبيق ما تعلمناه .
من أين تأتي المناعة ضد الهداية ؟؟
خلق الله الإنسان وجعله كائنا متميزا فريدا قال تعالى عن بني آدم : وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
فضّله بالعقل والإرادة .. وأعطاه ملكات وقدرات عجيبة .. وأنعم عليه بنعم لا تعد ولا تحصى ..ولكنه جل وتبارك وتعالى وضع في طريقه بعض العراقيل والعقبات ومنحه القوة والسلاح والعتاد ووعده بجنة عرضها السموات والأرض إن أحسن استغلالها .. وحذره من العقاب الشديد في حال الإخفاق .
وسن سنن وقواعد تنطبق على الجميع .. تضمن العدالة المتناهية .
البعض للأسف لم يستغل السلاح والعتاد وفشل في الاستفادة من القدرات والمنحة الربانية التي منحه إيها الله جل وتبارك وتعالى .
دعونا نسلط الضوء على هذه السنن والقواعد ففيها يكمن السر ..
أول السنن والقواعد الجوهرية التي ينبغي تعلمها وإدراكها : الطاعة تقود إلى الطاعة ( وهذا منتهى الثواب ) .. والمعصية تجر إلى المعصية ( وهذا منتهى العقاب ) وفي كلا الحالتين منتهى العدالة .. وهنا تحذير خطير ينبغي الالتفات إليه عندما تذنب لا تؤخر التوبة .. فالذنب معصية والاستغفار والتوبة طاعة وهذا يشكل حالة من التوازن إن تغلب الاستغفار على الذنب أورث طاعة أخرى وأن " لا " فالخطورة لا زالت قائمة أن تبتلى بذنب آخر ..
مهم جدا عدم تأخير التوبة .. لماذا ؟
لأن تأخير التوبة يعطي فرصة كبيرة لارتكاب ذنب آخر لأن هذه قاعدة كما ذكرنا فمن لوازم المعصية أنها تسهل معصية أخرى هذا أولا وثانيا الاستمرار مع الذنب حتى ولو كان صغيرا من عقوبته الإدمان والإدمان يعني صعوبة الخروج منه . وهنا الإشكال وهذا ما يعاني منه الأغلبية للأسف .. فلا يخطر ببال أحد المساواة في قبول الإنابة بنفس السهولة .. من يستمر في المعصية لمدة أسبوع ليس كمن يستمر فيها لمدة شهر ليس كمن يستمر فيها لمدة سنة .. وهكذا كلما طالت الفترة مع المعصية كان عقوبتها أصعب والخروج منها أصعب ..
وهذا ما يشكل أول وأهم سبب للمناعة ضد الهداية ..
السنة الكونية أو القاعدة الثانية .. وهي الدعاء .. لا يمكن أن تصل إلى الله إلا بالله الجميع ضال إلا من هداه الله كما جاء في الحديث القدسي الصحيح .. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم . وهذا يفوت على الكثير للأسف
وهذه قاعدة مهمة جدا .. وسنة من سنن الله ... الدعاء أصل العبادة .. فكما تلح في الدعاء في أمور الدنيا ألحّ في الدعاء بالهداية والصلاح ... لم يُلهم الإنسان الدعاء إلا لأن الله سوف يستجيب له .. وإلا لكان صرف قلبه عن الدعاء ابتداءً .. أيضا عندنا وعد من الله الذي لا يخلف الميعاد بالاستجابة: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
ولو تأملنا سورة الفاتحة لعرفنا هذا السر العجيب وهذه القاعدة الربانية .. اهدنا الصراط المستقيم .. نكررها في كل ركعة في الفريضة والنافلة ... والبعض يكررها للأسف مثل الببغاء أو الرجل الآلي ..
ننتقل إلى السنة أو القاعدة الثالثة : المجاهدة .. لا يمكن بحال من الأحوال أن تصل إلى الله إلا بالمجاهدة وهذا يعني أن الكلام والنظريات والمثاليات كلها لا تنفع ولا تفيد بدون عمل .. قال تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . وهنا أيضا وعد من الله الذي لا يخلف الميعاد .. وعد بالهداية .. " لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ " وصورة المجاهدة أوسع من أن نحدها في مثل هذا المقال المختصر ولكن نشير إلى نوعيها المشهورين ونضرب بعض الأمثلة ..
المجاهدة على ضربين .. مجاهدة لإقامة الطاعات ومنها ما فرضه الله علينا هذا نوع والنوع الثاني المجاهدة لترك ما نهى الله عنه ومنها المعاصي والذنوب والهوى والشهوات . وهنا أيضا منحة ربانية وعاجل بشرى لكل من يجاهد نفسه " من ترك شيئا لله عوضه الله خير منه .. ووالله العظيم أن هناك لذة عظيمة وحلاوة عجيبة لا يمكن وصفها عندما نترك الشيء لا نتركه إلا لله .
ومن أنواع المجاهدة اللازمة في هذا الباب المجاهدة لطلب العلم .. فلا يجوز مثلا أن نصلي خطأ .. أو نقرأ القرآن خطأ .. فلا يعذر الإنسان بالجهل إذا كان يستطيع أن يتعلم .
السنة أو القاعدة الرابعة والأخيرة .. الجميع يأخذون فرصتهم من هداية الدلالة .. " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً " فكل منا تلقى رسائل وإنذارات كثيرة .. فالمرض والوعكات الصحية رسل .. والحوادث رسل .. والموت والمصائب عموما رسل .. والمواعظ رسل .. الخ
ولا أبالغ إذا قلت إن الفرص تكاد تكون متكافئة أقلها في حدها الأدنى . وهذا من عظيم عدله جل وتبارك وتعالى ..
البعض ينصت لهذه النذر والرسائل باهتمام وبفهم .. والبعض يهملها وكأنها لم تكن قال تعالى عنهم " أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا "
أجارنا الله وإياكم أن نكون منهم نكتفي بهذا القدر حتى لا نطيل .. وإلا فالموضوع واسع جدا وفيما ذكرنا لمن فتح الله عليه خير وبركة ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ومن السوار ما احاط بالمعصم ..
هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 10:12 مساءً الخميس 26 يونيو 1441.