• ×

08:01 صباحًا , الخميس 16 أغسطس 1441

ثقافة الاعتراف بالخطأ وفن الاعتذار / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  767
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 ثقافة الاعتراف بالخطأ وفن الاعتذار / حامد علي عبد الرحمن
اللهم علمنا ما ينفعنا .. وانفعنا بما علمتنا .. وزدنا علمنا ينفعنا .
أيها الأخوة الكرام : ثقافة الاعتراف بالخطأ وفن الاعتذار .. عن هذا سيكون حديثنا اليوم .. قال تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ . أي : إذا وعظ المخطئ في مقاله أو فعاله ، وقيل له : اتق الله ، وانزع عن قولك وفعلك ، وارجع إلى الحق .. امتنع وأبى ، وأخذته العزة والحمية والغضب بغير الحق وبالإثم .
وقال تعالى في صفة مغايرة تماما وهي صفة المتقين : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
هنا صفتين متضادتين ومتناقضتين ومختلفتين تماما ..
الصفة الأولى ... أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ... والصفة الأخرى.. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا ... من هؤلاء .... ومن هؤلاء وماهي نتيجة هذه الصفة وما هي نتيجة الصفة الأخرى ..
نأتي بالنتيجة أولا .. فهي تطينا معنا واضحا للصفة .. نتيجة من أخذته العزة بالإثم كما جاء في الآية مباشرة قال تعالى : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ .. وهذا يشير إلى خطورة المكابرة والعناد والاستمرار على الخطأ .
ونتيجة الصفة الثانية .. الذين لم يصروا على ما فعلوا .. النتيجة جاءت في الآية التالية مباشرة قال تعالى : أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . وشتان ما بين مشرق ومغرب
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ .. هذا الذي لا يعترف بالخطأ وليس في قاموسه الاعتذار وليس في قاموسه التراجع .. وليس في قاموسه كلمة أنا أسف .
يقول الله تعالى في الآية التي سبقت هذه الآية مباشرة معرفا وموضحا ومسلطا الضوء على العلامة الأبرز لهؤلاء الذين تأخذهم العزة بالإثم
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ .. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ .. ثم قال تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ..
العلامة .. الأبرز لمن يتصف بهذه الصفة أن قوله يخالف فعله .. وباطنه يخالف ظاهره .. يدعي المثاليات والشفافية والوضوح والصدق والاخلاق وهو ابعد ما يكون عنها .. يدعي الدين والوعي والتحضر وواقعه يشهد بغير ذلك .. والدليل على ذلك إنه لا يعترف بخطائه ولا يتنازل عن رأيه ولا يتراجع في قراراته .. دائما قوله الحق .. ونظرته الأبعد .. وقراراه الاحكم .. ويتضح ذلك جليا في مناقشاته ومحاوراته .. ومجادلاته .. دائما تأخذه العزة بالإثم .
أما الصفة الأخرى .. لم يصروا على ما فعلوا .. هذه الكلمات القليلة تعكس بوضوح معنى التحضر والرقي .. تعكس كل معاني الجمال الإنساني ..
لم يصروا على ما فعلوا ..
فيها احترام حريات الآخرين لأن الذي لا يصر على فعله وقوله الخطأ .. يعطي فرصة لعقول الآخرين .. فهو يحترم عقولهم وأفكارهم .. فيها معنى الإنسانية فهو يقدر أن الآخر إنسانا أيضا له عقل وله رأي . فيها معنى الإنصاف والعدل لأن الذي لا يصر على فعله وقوله الخطأ لا يريد أن يظلم أحد أو يتجاوز على أحد أو يعتدي على أحد .
ومن ابز علامات أصحاب هذه الصفة الدين والتقى والتواضع والتنازل .. وهي ارقى الصفات الإنسانية ..
أيها الأخوة الكرام : لَقَدْ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ مِنْ عُنْصُرَيْنِ اثنَيْنِ: الطِّينِ وَالرُّوحِ، يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ .. وَيَقُولُ تَعَالَى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ، فَالطِّينُ يُمَثِّلُ العُنْصَرَ الأَرضِيَّ فِي الإِنْسَانِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ هَذَا العُنْصُرُ هَبَطَ الإِنْسَانُ إِلَى الأَرْضِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ طَابِعُهُ البَشَرِيُّ الذِي أَصْـلُهُ الضَّعْـفُ وَالخَطَأُ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ جَانِبُ الرُّوحِ سَمَا وَارتقى، وَحَلَّقَ فِي أَجْوَاءٍ مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ وَالسُّلُوكِ السَّامِي، فالإِنْسَانَ َمِنْ طَبِيعَتِهِ الخَطَأُ، فَهُوَ لَيْسَ مِنَ المَلاَئِكَةِ الذِينَ .. لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، بَلْ هُوَ بَشَرٌ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ((وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا)) ، وَيَقُولُ صلى الله عليه وسلم ( : (( كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) ، هذا كله يؤكد أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ يَسْـلَمُ مِنَ الخَطَأِ؛ أَيًّا كَانَ نَوْعُ الخَطَأِ وَدَرَجَتُهُ .
ولكن الفارق بين العباد .. ليس في الذنب وإنما فيما بعد الذنب .. الفارق يكون في التمادي والمكابرة .. أو في الرجوع والتواضع للحق .
أيها الأحبة .. لقد أشار الإسلام إلى عظمة التراجع عن الخطأ إلى عظمة الاعتراف بالذنب وأهميته .. إلى عظمة الاعتذار .. أشار إلى هذا الخلق السامي وأنه سبب في رضى الرب جل جلاله وحث عليه في غير موضوع لِيَغْرِسَ فِي نَفْسِ المُسلِمِ خُلُقَ الاعتِذَارِ وَثَقَافتَهُ، . لَيْسَ هُنَاكَ أَرْفَعُ مَقَامًا وَأَعْـلَى دَرَجَةً مِنْ رُسُلِ اللهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَلَقَدْ ذَكَرَ القُرآنُ الكَرِيمُ أَمثِلَةً كَثِيرَةً على اعترافات واعتِذَارَاتِ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، وَذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِمُ المُسلِمُ فِي الاعتِذَارِ عِنْدَ الخَطَأِ، وَهُمْ خَيْرُ البشر ، وَأَوَّلُ مِثَالٍ أَسْهَبَ القُرآنُ فِي ذِكْرِ اعتِذَارِهِ أَبُو البَشَرِ آدَمُ وزوجه عَلَيْهِما السَّلاَمُ (( قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) ..
وورد في السنة المطهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في الناس وقال من سببته أو شتمته أو أخذت من ماله فليقتص مني الآن قبل ألا يكون درهماً ولا ديناراً
وروى الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس . والمعنى رد الحق واحتقار الناس والاستخفاف بهم ... وهذه هي الصفة الحقيقة لمن أخذته العزة بالإثم .. رد الحق وعدم الاعتراف بالخطأ .. وهنا تنبيه خطير .. وتطابق عجيب في النتيجة .. هنا قال صلى الله عليه وسلك .. لا يدخل الجنة .. وفي الآية قال تعالى : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ .
إِنَّ الاسلام أيها الأحبة .. يُرِيدُ لِلأُمَّةِ أَنْ تَتَعلَّمَ الشَّجَاعَةَ الأَدَبِيَّةَ فِي الاعتِرَافِ بِالخَطَأِ، وَفِي عِلاَجِ الخَطَأِ بِالاعتِذَارِ اللاَّئِقِ بِمَنْ أَخْطَأْنَا فِي حَـقِّهِمْ أيها الأخوة الكرام :
إن الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه والاعتذار منه فضيلة عظيمة وخلق عظيم .. وهي في الحقيقة ليست لأي أي احد .. لا يصل إليها إلا من صفت نفسه وسمت روحه .. ولا يصل إليها إلا أصحاب الثقافات الواعية والعقول الراقية .
كلما زاد دين الإنسان وخوفه من الله .. زاد .. تواضعه .. وإذا زاد تواضعه .. تراجع عن اخطائه .. إذا زاد تواضعه اعترف واعتذر لمن اساء إليه دون كبر أو تعالي .. حتى ولو كان الخطاء في حق طفل صغير .
التراجع والاعتذار دليل القوة والثقة في النفس ... أما المكابرة والعزة بالإثم فهي علامة الضعف والهزيمة .. الرجل الضعيف يعتقد .. أن الاعتذار والتراجع ضعف فيخاف من إظهار ضعفه أمام الأخرين .
أيها الأخوة الكرام ... مبدأ التراجع عن الخطاء والاعتذار عنه .. يتقاطع مع قضايا دينية ونفسية واجتماعية كثيرة من .. أبرزها الثقة في النفس ... لا يتراجع إلا الأقوياء ولا يعترف إلا الأقوياء ولا يعتذر إلا الأقوياء وهذه خاصية نفسية قوية ليست متوفرة في كل أحد كما اشرنا قبل قليل ... أيضا أكثر من يتراجع ويعترف ويعتذر عادة هو من يحسن الظن بالله وما عند الله وهذه صفة المتقين لأنهم لا يهتمون بنظرة الأخرين بقدر اهتمامهم برضا الله . ولذلك لا يخجلون من قول أنا أسف أو كلمة أنا اخطأت .. لا يخجلون من تصويب اخطائهم وتعديلها والإشارة إليها . وهكذا العظماء .. خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب يقول : أصابت امرأة وأخطأ عمر ، وفي موقف آخر يقول : كل الناس أفقه منك يا عمر هذا هو الرقي والتحضر والوعي ..
أيضا من يتراجع عن الخطأ ويعترف به ذكي وذكي جدا .. فهو يقدر الأخرين ويحترم عقولهم .. وهذا يوصّله إلى قلوبهم ويجعله محبوبا عندهم .. ليس هناك أبلغ من تقدير الرجال واعظم صورة للتقدير .. هي صورة الاعتذار منهم عند الخطأ .. بينما المكابرة و التمادي وعدم الاعتراف بالخطأ تنفر الناس وتبعدهم .. لأن فيها مصادرة لعقولهم وأفكارهم .. وليس هناك أقبح من مصادرة الأخرين وتجاهلهم .
ومن هابَ الرِّجال تهيبوهُ ومنْ حقرَ الرِّجال فلن يهاب
أيها الأحبة : إِنَّ الاعتِذَارَ مجرد كَلِمَةٌ ، ولَكِنْ لَهَا مَفْعُولُ السِّحْرِ عَلَى النُّفُوسِ، تَلِينُ بِهَا القُلُوبُ الغَلِيظَةُ، وَيُمْحَى بِهَا الخَطَأُ وتصفا بها النفوس وتغفر بها الذنوب ، فكَمْ مِنْ كَلِمَةِ اعتِذَارٍ قَصِيرَةٍ أَطْفَأَتْ نَارَ حِقْدٍ وَخِصَامٍ، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في كتابه لأبي موسى الأشعري: "ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطل الحق شيء، وإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل"..
أيها الأحبة : قبل أن نختم .. لا ننسى أن نشير إلى نقطة غاية في الأهمية : هي قبول الاعتذار .. إن من المرؤة ومن الشهامة ومن الدين قبول الاعتذار ممن اعتذر .. وإن للاعتذار صور وأشكال .. منها ما هو مباشر وهذا هو أرقى أنواعه .. ومنها ما هو غير مباشر .. كالهدية .. والرسالة .. والاحتكاك والتقرب والمجاملة والملاطفة .. كلها أساليب غير مباشرة فمتى احسستم أن الشخص نادم على خطأه فإن من المرؤة إعطاؤه فرصة وعدم احراجه وعدم الخوض في التفاصيل ..
أقبل معاذير من يأتيك معتذرا إن بر عندك فيما قال أو فجرا
لقد اطاعك من يرضيك ظاهره وقد أجلك من يعصيك مستترا
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 08:01 صباحًا الخميس 16 أغسطس 1441.