• ×

10:02 مساءً , الخميس 26 يونيو 1441

المفهوم الصحيح للعبادة والمفاهيم الخاطئة فيها .. الصلاة أنموذجا / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  1057
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 المفهوم الصحيح للعبادة والمفاهيم الخاطئة فيها .. الصلاة أنموذجا / حامد علي عبد الرحمن

اللهم علمنا ما ينفعنا .. وانفعنا بما علمتنا .. وزدنا علمنا ينفعنا .
أيها الأخوة الكرام :
سيكون حديثنا اليوم عن المفهوم الصحيح للعبادة والمفاهيم الخاطئة فيها والحقيقة إنه امتدادا لحديثنا الذي كان في الخطبة السابقة والذي كان عن خطورة الفكر .. وتأثيره في حياتنا ... فما المفاهيم إلا حصيلة الأفكار .
أول ما يجب الحديث عنه مفهوم العبادة ذاتها فهذا المفهوم من أخطر المفاهيم التي تعرضت للتشويه ووقع لها التحريف والفهم الخطأ .. أصبحنا للأسف لا نعرف من العبادة إلا القشور .. أهملنا مخ العبادة ولبها .. نلاحظ الفرق الشاسع بين المفهوم الشامل الواسع للعبادة الذى كان يفهمه الجيل الأول من المسلمين وبين المفهوم الهزيل الضئيل الذى تفهمه الأجيال المعاصرة ... وهذا يفسر سبب العز الذي وصلوا إليه وسبب التردي الذي وصلنا إليه .. ففهمهم الصحيح أخرج لنا خير أمة أخرجت للناس وفهمنا السقيم أخرج لنا غثاء كغثاء السيل ..
كان المفهوم الصحيح للعبادة عند السلف الصالح أن عبادة الله هي غاية الوجود الإنساني فهموا ذلك من قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} فهموا من هذه الآية أن غاية الوجود كله محصورة في العبادة لا تتعداها إلى شيء غيرها على الإطلاق ... ولذلك كانت سكناتهم وحركاتهم كلها لله وفي الله ومع الله
ولذلك .. عزوا وذللنا .. وانتصروا وخسرنا .. وسعدوا وشقينا . فهمنا نحن أن الدين شيء والدنيا شيئ أخر .. وأصبحت الغالبية العظمى إلا من حفظ الله يفصل بين أمور الدين والدنيا .. وبذلك خسرنا الدنيا والدين معا .. الفهم الصحيح للعبادة أيها الأحبة يجعلنا ندخلها في كل شيء حتى في أدق تفاصيل حياتنا ... عندما ندخل الله في كل شيء .. نستمتع بكل شيء .. حتى بالألم والمرض حتى بالحرمان .. عندما ندخل الله في كل شيء نشعر بنكهة مختلفة .. يتغشانا شعور الرضا والسعادة ذلك الشعور الذي لا يشترى بكنوز الدنيا .
عندما ندخل الله في كل شيء .. نخلص .. ونبدع .. وننتج
سوف نأخذ مثالا واحدا ونرى كيف يؤثر الفهم الخاطئ وكيف يكون سبب خسارة كبيرة جدا ... خذوا الصلاة مثلا ... المفهوم الصحيح للصلاة كما قال تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر .. فمفهوم الصلاة يمتد ليشمل نواحي أوسع وأشمل من الركعات التي تؤدى .. مفهوم يمتد لينهى عن الفحشاء والمنكر .. مفهوم يمتد ليؤثر في السلوك .. تصلي وتؤذي جارك لا يستوي .. الفهم الصحيح جعل أبا الدحداح رضي الله عنه يبيع بستانه بالكامل مقابل نخلة حتى يرفع الأذى عن جاره .. والفهم الخاطئ جعلنا نبخل بالمتر ونصف المتر في توسيع طريق المسلمين .. تصلي وتقطع رحمك لا يستوي .. تصلي وتقترف المحرمات وتصر عليها .. لا يستوي .. تصلي وتخالف سنت نبيك في مظهرك .. لا يستوي .. المفهوم الصحيح أيضا يعني أن الصلاة صلة بين العبد وربه .. وهذا يعني موعد ولقاء مع الله في أوقات محددة .. كما قال تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا .. من فهم هذا الفهم التزم بحضور الموعد في أوله .. فنجا .. وسبق .. وفاز .. بينما من فهم الفهم الخاطئ وأنها مجرد ركعات تودى وليس بالضرورة أن تؤدى في أول الوقت وليس بالضرورة أن تؤدى في المسجد مع الجماعة . هذه الفهم الخاطئ عن الصلاة .. جعلنا نؤخر صلاة الفجر إلى قبل شروق الشمس بقليل ..ونؤخر صلاة الظهر إلى قبل صلاة العصر .. ونؤخر صلاة العصر إلى قبل غروب الشمس .. هذا للمجتهد أم الأخر فحدث ولا حرج .. نفعل ذلك وبدون خجل ولا حياء وبشكل دائم .. فتأخرنا عن موعدنا مع الله تأخرنا عن لقاء ربنا . فأخرنا الله .
مفاهيمنا الخاطئة عن الصلاة .. جعلتنا نتهاون في صلاة الجماعة في المسجد .. فأصبحنا ننظر إليها على أنها .. زيادة في ألأجر فقط .. وليست واجبة واصبحت ترفا نمارسه موسميا فقط في رمضان . يقول صلى الله عليه وسلم .. للاعمى .. لا أجد لك رخصة في ترك صلاة الجماعة في المسجد .. ثم تجد بعد ذلك من يقول إنها ليست واجبة .. وبهذا فقد المسجد رسالته .. بل فقدت الصلاة قيمتها .. فإن مفهوم الصلاة يمتد ليخرج عن مجرد الركعات .. يمتد ليشمل النواحي المجتمعية والنواحي الإنسانية ..
إذا لم تصل في المسجد .. كيف تعرف حال جيرانك واخوانك .. وكيف تتفقدهم .. وكيف تحسن إليهم ..وخاصة في زمننا الحاضر الذي استغنى فيه كل منا بما في جيبه ولم يبق من وسائل التواصل والتعارف إلا المسجد .فمن فرط فيه فرط في خير كثير جدا
بالصلاة في المسجد تنتهي الخلافات وتصفا القلوب .. يقول أحد كبار السن كنت إذا تخاصمت مع أحد من الجيران أو الأقارب أجتهد في أن أصلي في نفس الجهة من الصف الذي يصلي فيه .. لعلني أجد فرصة فأصافحه وأصالحه وينتهي ما يبننا .. أنظروا إلى البراءة وإلى صفاء النية .. أنظروا عندما يكون الهدف الله .. انظروا إلى الفهم الحقيقي للعبادة .. بينما الآن إذا تخاصم أحد مع أحد هجر المسجد الذي يصلي فيه وهجر الشارع الذي يمر منه وربما هجر الحي الذي يسكن فيه إنها المفاهيم .. فهموا الدين والعبادة بشكل .. وفهمناها بشكل مغاير تماما .
بالمسجد .. إن غبت افتقدوك وسألوا عنك .. وإن مرضت زاروك ودعوا لك .. وأن اصابتك مصيبة وقفوا بجانبك وساندوك ..
أي خير أعظم من هذا .. هذا هو الإسلام وهذا هو المجتمع المسلم .. بل هذه هي الإنسانية وهذا هو التحضر . وهذا هو المطلوب .. ولا يتحقق ذلك إلا بالصلاة في المسجد .
يا من تركت الصلاة في المسجد بدون سبب أنت تغامر مغامرة كبيرة وخطيرة أنت تغامر بصلاتك في بيتك .. أنت تغامر بعدم قبولها لقوله صلى الله عليه وسلم .. لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وقوله صلى الله عليه وسلم للأعمى لا أجد لك رخصة .. لا أجد لك رخصة .. ثم تجد بعد هذا القول الصريح الواضح .. من يفلسف لك الحكم ويختلق لك الاعذار ويتتبع الرخص والأقوال الرخيصة ويترك صلاة الجماعة .. إنه الحرمان في أقبح صورة .. أيها الأحبة لا يوفق للصلاة في المسجد وفي وقتها إلا من يحبه الله .. ولا يتركها إلا مخذول .. كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ .. أيضا يا من تركت المسجد .. أنت تغامر بخسارة أجمل العلاقات الاجتماعية والإنسانية فأنت تعيش في عزلة ووحدة وإن احسست بغير ذلك .
أيضا من المفاهيم الخاطئة عن المسجد .. عندما نذهب للقاء الله في بيت الله نلبس أي شيء .. لا يهم .. ثوبا متسخا قليلا لا يهم .. بدون شماغ لا يهم .. لبس القميص العادي أو البدلة الرياضية لا يهم .. بينما عندما نذهب لحضور المناسبات .. نلبس أفخر ما عندنا من الملابس .. مفاهيم خاطئة ... قال تعالى : ... يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ .. هنا فعل أمر .. ولفهمنا الخاطئ لم نركز عليه وتجاهلناه .. وكأنه لم يكن .. خذوا زينتكم .. أيضا لم نهتم بالرائحة .. لا يهم أكلنا الثوم أو البصل أو حتى دخنا سيجارة ... بينما عند مقابلة الشيوخ والمسئولين نتطيب ونتعطر بأفخر العطور .
أيها الأخوة الكرام : لا ينحصر مفهوم العبادة الصحيح في نطاق الشعائر التعبدية الظاهرة وحدها فقط .. فالشعائر التعبدية ذات مقتضيات لا تنتهى بنفسها .. لا تنتهي بمجرد أدائها إنما تصحبها وتتبعها مقتضيات هي التي تعطيها معناها الحقيقي في حياة المسلم .. فلكل شعيرة من الشعائر التعبدية بعد نفسي وسلوكي وروحي لا يقتصر على أدائها بل أنه يبدأ بأدائها ثم يمتد ليشمل مساحة واسعة من حياة الإنسان
أنت عندما تستشعر الله في العبادة .. أي عبادة كانت وتستشعر عظمة الله وجلاله وتستشعر حبه .. لا شك أنك سوف تؤديها على أفضل أحال .. سوف تجتهد بل سوف تبذل قصارى جهدك ليرضى الله عنك .. لن تترك وراء جهدك جهد ولن تترك ألأمر هكذا للاحتمالات سوف تحتاط ليكون عملك على أحسن حال .. هذا إذا كنت فعلا تحب الله وتبحث عن رضاه ..
وهكذا هي الصلاة .. من أدرك ما وراء الركعات الظاهرة .. من أدرك الهدف منها .. من أدرك معناها الحقيقي .. من أدرك أنها لقاء مع الله .. استعد لذلك جيدا .. حضر في المكان المخصص وحضر في أول الموعد .. في أحسن هيئة .. وأطيب رائحة ..
ماذا بقي أيها الأخوة الكرام ... بقي أن نذكّر .. بعظمة الأيام القادمة .. بعد أيام قليلة سوف تظلل الناس سحابة موسمية متعاظمة، تمطر عليهم خيرًا بلا عدٍّ ولا حساب، تُمحى بها الخطايا، وتُغفر بها الزلات، وتُرفع بها الدرجات، وتمتلئ بها الصحائف بالحسنات، إنها عشر ذي الحجة ، خير أيام الدنيا، لا يعدل العملَ فيهن عملٌ آخر في أي يوم من أيام العام، إنها أفضل أيام الدنيا، أقسم الله بها في كتابه العزيز بقوله -سبحانه وتعالى : وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ..
إنها الأيام المعلومات التي شرع الله فيها ذكره في قوله -عز وجل : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ .. وقوله -سبحانه وتعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ..
قال ابن عباس رضي الله عنه : "الأيام المعلومات هي أيام العشر من ذي الحجة، والأيام المعدودات هي أيام التشريق.
في فضلها قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر"، وفى لفظ آخر: "ما من عملٍ أزكى عند الله -عز وجل- ولا أعظم أجرًا من خيرٍ تعمله في عشر الأضحى"، فقالوا: يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيءٍ".
إن بلوغ هذه العشر بعد رمضان نعمة عظيمة؛ إن هذه العشر هي العزاء لمن فرَّط في رمضان .. إنها فرصة كبيرة جدا للتعويض واللحاق بالركب .. وهذا من كرم الباري عز وجل .. ينتهي موسم فيعقبه موسم .. كريم رحيم لا تنتهي عطاياه ولا تنفذ هداياه ولا تعد منحه .. يعلم حاجة عبادة المقصرين إلى تكفير الذنوب فاسبغ عليهم مواسم الخير التي تتضاعف فيها الأجور والحسنات ..
فالله اعطانا هذه المنحة حتى نختم عامنا مغفوري الذنوب موفوري الأجور .. فلنختمه بالخير أيها الأحبة .. فإن العبرة بالخواتيم . ولنستغل هذه الأيام .. فإن من أضاعها قد أضاع فرصة عظيمة جدا وخسر خسارة كبيرة .

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 10:02 مساءً الخميس 26 يونيو 1441.