• ×

11:47 مساءً , الخميس 22 مارس 1443

بالقِطلة / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  392
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 بالقِطلة / حامد علي عبد الرحمن
لا أدري لماذا كل ما أردت أن اكتب مقالة أو رسالة او خاطرة تحضر وبقوة مقولة لأحد الأصدقاء ( أنت تريد أن تدخل الناس الجنة بالقطلة ) والقطلة للذي لا يعرف معناها تعني العصا الغليظة وتعني ( المشعاب ) وتعني ( العجراء ) وهي كنية عن القوة ..
والحقيقة أني لا أدري هل هو بكلامه هذا يمدحني أو يذمني ولا أعلم هل هذه خصلة طيبة أم خصلة سيئة .
صاحبي هذا -واسمحوا لن استطرد قليلا قبل أن ارجع لموضوعنا- أقول صاحبي هذا ربما يكون أكثر إيمانا مني رغم أن ظاهره لا يوحي بذلك ورغم كلامه المناهض لمظاهر التدين ، ولكن في داخله عملاق إيماني كبير ( سيستيقظ يوما ما ) أنا على ثقة من ذلك فهو يغالب إظهار ذلك ..
ثم أقول وهذا ليس له علاقة بصاحبي فقط : المجتمع له سطوته الكبيرة ، فتوجه المجتمع والسائدة فيه أو ( الموضة ) عادة ما يكون لها تأثيرها المباشر أو غير مباشر علينا .. في الآونة الأخيرة أصبح التنصل من مظاهر التدين ( رهاب التدين ) ظاهرة .. وربما ساعد على ذلك المتدينون أنفسهم لا أقول الإسلاميون كما يحلو للبعض تسميتهم فالإسلام شيء والتدين أو تطبيق تعاليم الإسلام الحقيقي من عدمه شيء آخر، أقول المتدينون الذين لم يفهموا الإسلام كما ينبغي أو فهمومه ولكنهم ضعفوا في تطبيقه على أصوله اقول هؤلاء ساعدوا في إعطاء فكرة سلبية عن الدين . وهنا يجب التفريق بين الأشخاص وبين الدين، بين السلوك الشخصي وبين الدين ، فالأخطاء الشخصية والفهم الخاطئ للدين لا يجب أن نسحبه على جميع المتدينين عموما كما لا يجب أن نسحبه ونسقطه على الدين الإسلامي الصحيح والقويم .
فالمجتمع له علاقة كبيرة في تفكيرنا وفي أحكمنا التي نصدرها وفي مواقفنا وآراءنا . أحيانا نتكلف غير قناعاتنا ونظهر ما لا نبطن ونتحيز ونطبل ونمدح ونذم ، كل ذلك خوفا أو ورجاء أو حياء وربما غباء في بعض الأحيان فالمجتمع له سطوته الكبيرة جدا . ويتضح ذلك جليا في ثبات الإنسان على بعض الأفكار وتشبثه بها رغم أنه يرى الحق في غيرها ، وخاصة إذا كان له آراء سابقة قوية وصريحة مخالفة فلا يستطيع أن يتراجع خجلا أو حياء يعتقد أنه بتراجعه سوف يخسر مكانته بين الناس فهو يرى في التراجع ضعفا ولا يريد أن يظهر ضعفه فيصر على موقفه وفكره حتى وإن كان على الباطل ، ( كم أهلكت هذه النظرة من أناس ) أقول هلاك لأن المغامرة هنا خطيرة جدا فهي مغامرة بسعادة أبدية أو شقاء أبدي .. أخذتهم العزة بالإثم فكابروا فهلكوا ... هاجس الواحد منهم الناس .. ماذا سيقول الناس عني ..أنا الذي كنت أقول وأقول كيف أناقض نفسي؟ إلى غير ذلك من الأسئلة .
وهنا مقولة لعمر بن الخطاب عظيمة لا يطبقها إلا الأقوياء يقول : " ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل"
والأمثلة على سطوة المجتمع وتأثيره كثيرة .. في الأقوال وفي الأفعال وحتى في المظهر .. كم من إنسان ترك سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم حياء وخجلا وربما خوفا من المجتمع . هذا التفكير أو هذه النية أو هذا السلوك يمكن أن يكون سببا في خسارته لكل الأعمال الصالحة التي يعملها لأن الدين أعظم والعلاقة بالله أعظم ينبغي أن يكون خوفه من الله أعظم من كل ما سواه قال تعالى : إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وقال تعالى : أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ..
كثيرة هي التصرفات الانسحابية المخجلة التي يمارسها بعض الناس تصل إلى درجة أن الإنسان يرى المنكر والباطل والظلم ولا يحرك بنت شفه خوفا وحياء وخجلا ، جاره لا يصلي ويستحي أن يكلمه ، صديقه قاطع رحم وربما عاق لوالديه ويستحي أن يكلمه ... إلخ وهذا والله من الضعف والعجر بل من قلة الدين .
نرجع لموضوعنا :
في الحقيقة أن كلام صاحبي ووصفه لي بهذه الصفة مدعاة للفخر والاعتزاز فهذه الصفة لا أدعيها ولا أستحقها . أنا أضعف وأعجز من ذلك وعندي من الأخطاء والعيوب والنقص ما الله به عليم. وليتني استطيع أن أسوق الناس سوقا إلى الجنة ، لو استطيع ذلك لفعلته ولما ترددت لحظة حتى ولو بالعصا . ومسألة أنك تحب الخير للناس وتحثهم على ذلك وتدعوهم إليه لا يعني أنك كامل . ومسألة أنك تأخذك الغيرة على دين الله وتدافع وتنافح عنه فهذا أقل ما ينبغي ، ولو انتظرنا الكمال حتى نأمر بالمعروف أو ننهى عن المنكر لما تكلم أحد . ولما كتب أحد ولما وعظ أحد
الإنسان ما هو إلا فكر .. وكلمة .. وموقف وبدونها لا يساوي شيئا ..
والحقيقة أنه في بعض الأحايين حتى وإن كانت بضاعة الإنسان مزجاة وعلمه قليل لا يملك إلا أن ينفعل ويقول ويقول ويعيد ويكرر إبراء للذمة وحفاظا على دينه بل حفاظا على إنسانيته ومروءته . لأن الإنسان ما هو إلا فكر وكلمة وموقف كما ذكرنا ..
ظهر من ينتقص من شأن الصحابة رضوان الله عليهم .. وظهر من ينتقص من شأن الأئمة والعلماء رحمهم الله وظهر من ينتقص من شأن رواة الأحاديث . بل أكثر من ذاك ظهر من يشكك في كلام الله ويثير الشبهات والفتن وظهر الملحدون ( لي عودة للحديث عن الملحدين ) وأصبح تتعالى أصواتهم في المجالس بكل بجاحة وبدون علم لو سألت أحدهم عن آخر كتاب قرأه في الموضوع لحار جوابا ومع ذلك لا يستحي من جهلة ويناقش بكل أريحية وكأنه فليسوف زمانه . وما جعل أصوات هؤلاء تعلو إلا صمت الضعفاء وتقاعس الكسالى وخوف الجبناء والله أننا لمسؤولون جميعا عن كل كلمة حق سكتنا عنها وعن كل موقف مخالف للعقيدة جاملنا فيه .
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال في الحديث الصحيح يصبح الرجل فيها مسلمًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل .
يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل .. طلبا للشهرة طلبا للمال وربما أقل من ذلك وربما بدون مقابل مجاملة وحياء وخجلا .. وأخطر ما يكون ذلك إذا صدر من أديب أو مثقف أو كاتب أو مؤثر اجتماعي أو مسؤول .
ماذا أكثر من أن يبيع الإنسان دينه . مهما كانت المكاسب بعد ذلك صدقوني، لا تعوض خسارة الدين .
أما الملحدون .. أقول وقد يستغرب الكثير من كلامي هذا لا يوجد ملحدون حقيقيون إلا نادرا جدا .. وأغلب من يدعي الإلحاد هم من الأطفال لا أقصد الصغار في السن فقط بل أيضا الأطفال في العلم والمعرفة والصغار في الفهم .. هم في الحقيقة يعرفون في قرارة أنفسهم أن الله موجود ، مهما حاولوا إنكاره ، فهم في عمق ضمائرهم يعترفون به وهذه حجة كبيرة عليهم وهؤلاء أعظم ذنبا وأكثر عذابا يوم القيامة لأنهم أنكروا وجحدوا رغم استيقانهم من الحقيقة قال تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ..
يقول أحد الملحدين : " الساعة 2 فجرا أنهيت مقالة أنكرت فيها وجود الله وحين ذهبت لأنام لم أستطع إطفاء النور خوفا مما سيفعله الله بي ! "
ووالله إن أكبر عقاب لهم الضمير مهما خنقوه وكتموا صوته يبقى حاضرا في الأعماق يعذبهم إلى آخر لحظة .
العقل ربما يساعد على معرفة الخالق وله دور كبير جدا في ذلك ، ولكنه يكل ويعجز ويضعف . الضمير أقوى دليل على وجود الخالق من العقل .. العقل يعجز عن إدارك بعض مظاهر الكون وهو بعض مخلوقات الله ، فكيف يطمع في ادراك كنه الله ، يعجز عن تخيل مجرد تخيل المجرات الضخمة والشموس العملاقة والمسافات الهائلة بينها ، يعجر عن سماع الأصوات كلها فهناك أصوات تردداتها فوق إمكانيات البشرية ، ويعجز عن إدراك الموجات الكونية ، العقل يعجز عن ادارك الكائنات الحية التي تحيط بنا العقل يعجز عن ادراك بعض مخلوقات الله ، ثم يأتي بعض الأغبياء ويطلبون إثباتا عقليا ماديا على وجود الله، الله أعظم وأقوى وأجل وأرفع عن ذلك، لا تدركه العقول ولا تبلغه الفهوم .. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ..
الله أعظم من أن ينكره منكر أو يجحده كافر .. الله موجود بآياته في كل شيء .. في قلوب منكريه قبل غيرهم . في كل شيء له أية تدل على أنه واحد .. في هذا التناسق العجيب وهذا التناغم الكبير وهذا التخطيط المتقن وهذا النظام العظيم .
انظروا في خلق الأزواج في كل الكائنات وكيف أنهما مكملان لبعض بشكل إعجازي بشكل يفوق الوصف في الشكل في الحجم في الوظائف . التطور العشوائي لا يمكن أن ينتج لنا الأزواج ويجعها شرطا للتكاثر والبقاء فالتطور القادم من الفردية يبقى فرديا ..
انظروا للمشاعر وخاصة الحب والرحمة وهي أكبر رد على من يقول أن هذا الكون وجد بشكل عشوائي بدون خالق . العاطفة لا يمكن أن تأتي بشكل عشوائي العاطفة تختلف تماما مع نظرية الانتخاب الطبيعي . الانتخاب الطبيعي يعني ( البقاء للأنسب ، وللأقوى ، للأذكى ) ويعني حياة الغاب الانتخاب الطبيعي لا يوجد فيه عاطفة أبدا . لأن العاطفة في الانتخاب الطبيعي تعني الضعف والعجز وهذا يعني الهلاك والفناء .
انظروا لظاهرة النوم وفيه حجة قوية جدا على أن هناك حياة غير الحياة وعالم غير العالم ( أين ذهبت الروح وكيف ومتى خرجت وكيف عادت) وانظروا للأحلام في النوم وهي من أكبر الأدلة على وجود الخالق .. يُعاني البعض من الكوابيس والبعض الأخر ويمكن أن يكون نائما بجانبه يتنعم، يرى الإنسان الرؤيا في المنام فتأتي بعد فترة كفلق الصبح لا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كان كل شيء في هذه الحياة مخطط له بعناية فائقة وأن الأحداث والوقائع ليست صدفة بل محسوبة بدقة متناهية .. من يقدر على ذلك إلا اللطيف الخبير .
ثم بعد ذلك يريدون دليلا عقليا ماديا أكثر من هذا ووالله لو أتيت لهم بشيء ملموس لطعنوا فيه وشككوا فيه كما قال تعالى : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ
وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
وقال تعالى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ .
هكذا هو حال أغلب الملحدين، لن تصل معه إلى نتيجة أبدا لأنه لا يريد أن يقتنع ولا يريد الحق .
قال تعالى عنهم : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ..
لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون .
هذا والله أعلم .
للمزيد عن الكاتب انقر هنا

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 11:47 مساءً الخميس 22 مارس 1443.