• ×

12:01 مساءً , الإثنين 13 فبراير 1443

حوار في الطائرة ( من الذاكرة ) / حامد علي عبد الرحمن .

بواسطة : admin
 0  0  459
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 حوار في الطائرة ( من الذاكرة ) / حامد علي عبد الرحمن
... هناك رغبة كبيرة تدفعني للاستمرار في الحديث معه. ولكن ليس من السهولة بمكان أن تقتحم عوالم الآخرين ، ليس من السهولة أن تبدأ في الحديث مع أحدهم هكذا بدون سبب لأنك لا تعرف نفسيات الناس ولا عقلياتهم ــ لا أسوأ من أن تفرض نفسك على الآخرين أو تكون متطفلا عليهم ــ بقيت أنتظر الفرصة . أخرجت رواية جلبتها معي للتسلية وبدأت في تصفحها ، محاولا التغلب على الفضول الذي اجتاحني ...
ولكن دعونا نبدأ القصة من البداية .
وصل كلانا قبل موعد إقلاع الطائرة بوقت كبير ، تقابلنا عند بوابة الدخول إلى صالة المغادرة ، كان وجهه يشع نورا أو هكذا رأيته .. كان هناك شيء يجذبك نحوه ، ترغب أن تحادثه وتجالسه . هذا الشعور وهذه المشاعر كثيرا ما تحدث مع الجميع فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ، المطار إقليمي صغير والرحلات محدودة ولأننا وصلنا قبل الرحلة بوقت كبير ، كان العدد قليلاً جداً يجعلك تلاحظ تحركات المتواجدين . رأيته يتجه إلى المصلى الصغير في صالة الانتظار . بينما اتجهت أنا إلى البوفيه الصغير في الزاوية أخذت كأسا من الشاي وجلست إلى إحدى الطاولات . بقي تقريبا ساعة ونصف عن موعد صعود الطائرة . أخرجت اللابتوب ودسست رأسي في شاشته كانت عندي بعض الأعمال التي تحتاج مراجعة وتدقيق وإكمال .. - شأن الكتابة هذا غريب جدا في أحيان كثيرة تتلبسك حالة من البوح والإلهام فيفتح الله عليك وتكتب الصفحة تلو الصفحة دون توقف وفي أحيان أخرى كأنك شخص آخر يرتج عليك فتعجز عن إتمام صفحة واحدة - ..
بعد الانهماك في العمل لنصف ساعة تقريباً رفعت رأسي فإذا نظري يقع على صاحبي وهو لا زال هناك في المصلى راكعاً ساجداً . رجعت إلى انهماكي في عملي ولم أفِق إلا على النداء للبدء في صعود الطائرة، رفعت رأسي وإذا بصاحبي يهم بالخروج من المصلى ( ساعة ونصف تقريبا وهو في المصلى )
تذكرت مباشرة قول النبي صلى الله عليه وسلم : كل ميسر لما خلق له ..
حزنت على نفسي واهتماماتي حزنت على ضعفي وعجزي مقارنة مع ما يفعله هذا الرجل الجبار . نعم جبار من يستطيع أن يجبر نفسه ويروضها إلى هذا الحد لا شك أنه رجل جبار عظيم . ( أناس يهتمون بختم الألعاب والمقاطع وأناس يهتمون بختم المصحف ) كل ميسر لما خلق له .
أغلقت جهازي وأرجعته إلى حقيبته وتوجهت إلى بوابة صعود الطائرة .
كان مقعدي على النافذة ، أحسست بفرحة كبيرة عندما رأيته يضع حقيبته في الرف الذي فوق مقعدي هذا يعني أن مقعده إلى جانب مقعدي ، سلّم مبتسما كان وجهه متهللاً ، وبعد أن تبادلنا التحايا ؛ جلس على مقعده بجانبي .. ( كأنك تعرف هذا الرجل من زمن بعيد ) ، هناك رغبة كبيرة تدفعني للاستمرار في الحديث معه. ولكن ليس بالسهولة أن تقتحم عوالم الآخرين ، ليس من السهولة أن تبدأ في الحديث مع أحدهم هكذا بدون سبب . لأنك لا تعرف نفسيات الناس ولا عقلياتهم ــ لا اسوأ من أن تفرض نفسك على الآخرين أو تكون متطفلا عليهم ــ بقيت أنتظر الفرصة . أخرجت رواية جلبتها معي للتسلية وبدأت في تصفحها ، محاولا التغلب على الفضول الذي اجتاحني .
فاجأني الرجل بقوله .. ما شاء الله أنت من هواة القراءة إذن . أجبته بثقة مفرطة وبتباه .. إذا لم أكن أنا الذي يحب القراءة فمن يكون ؟ . وقبل أن أكمل حديثي عن أهمية القراءة والثقافة وأبدا بـ( التفلسف ) في هذا الجانب صدمني بقوله : هذه الرواية .. وبدأ في الحديث عن الكاتب أولا والتعريف به ( جنسيته ومعتقده ) وعن رواياته الأخرى ثم انتقل إلى الرواية التي بين يدي ، أبطالها وأحداثها ونقدها نقدا أدبيا وفكريا جعلني منشدها ومندهشا ومنصدما أشبه ما يكون بالطفل الصغير أمام استاذه . وبعد أن علق على الرواية قال : ينبغي أن نكون فطنين ماذا نقرأ ولمن نقرأ لا يكفي الواحد منا خسارته المادية ليضيف إليها خسارة الساعات والدقائق التي يقضيها مع بعض الكتب ووالله إن خسارة الوقت أعظم من خسارة المال والكارثة والمصيبة الأعظم إذا أُضيف إليها بعض التلوث الفكري إذا علق بالذاكرة بعض الترهات والسخافات التي يكتبها البعض وهذا يحدث كثيرا مع المبتدئين في القراءة .
بعد كلامه هذا أدركت أنني أمام رجل غير عادي وأني محظوظا جدا وأن رحلتي هذه لن تكون رحلة عادية . عرفته بنفسي فعرفني بنفسه وكلانا عرف بنفسه بشكل مقتضب ولم نسهب في ذلك .
قلت له: تسمح لي بسؤال يا أبا عبد الله .. قال : تفضل
قلت له :رأيتك في المصلى في المطار قائما راكعاً ساجداً تصلي وتقرأ القرآن رأيتك تستثمر كل دقيقة ، هذا وأنت في المطار وفي سفر ولا شك أنك في البيت أشد حرصا وأشد عبادة كيف استطعت أن تصل إلى هذا الحد من استغلال الوقت وكيف استطعت أن تذلل نفسك وتروضها بهذه القوة .
قال : إنه أبني المعاق !!!.
قلت : كيف ؟
قال : نشأت في أسرة محافظة ، لم أكن متدينا تماما ، عندي الكثير من الذنوب والمعاصي والتقصير بل إنني مقصراً جداً . والغريب أنه رغم تقصيري وذنوبي إلا أن الله لم يخيب لي رجاءً ولم يرد لي دعوة ، دائما ما كان يستجيب لي ويحقق لي كل أمنياتي .
سألت الله الوظيفة والرزق الحلال .. فاستجاب لي .
سألت الله في الزوجة الصالحة .. فاستجاب لي وكثيرا ما كنت أمر بأزمات وأدعو الله فيستجيب لي .
سألت الله في الذرية الصالحة فاستجاب لي ورزقني ولد وبنت كأحسن ما يكون .. ولكن ... ولكن يقولها بتنهد ..
كرم الله وستره يجعلنا في أحيانا كثيرة لا نشعر بقيمة النعمة التي نحن فيها والتي محروم منها الكثير من الناس . كرم الله وجوده يجعلنا نتمادى في العصيان .
جاء مولودي الثالث ، كنا نعتقد أنه طبيعي ولكن مع مرور الأيام اكتشفنا أنه معاق، معاق إعاقة كبيرة .. لن يكون طبيعا ولن يعيش مثل بقية إخوانه .
هذا الطفل غير حياتي بالكامل ..
وإني لاستغرب كل الاستغراب أن يكون هناك طفل معاق في أسرة أي أسرة كانت ولا يغير حياتها وخاصة رب الأسرة وكبيرها . لا أصعب ولا أكثر ألما من أن ترى طفلك المعاق صباحاً ومساءً يعاني أمامك سواءً كانت الإعاقة ذهنية أو جسدية أو كليهما ،أن ترى طفلاً معاقاً يجعلك تتألم ، فكيف إذا كان هذا الطفل طفلك، إنها معاناة .. وجود الطفل ذي الاحتياجات الخاصة في البيت يذكّر الإنسان بالآخرة ، يذكر الإنسان بمعاصيه وتقصيره . يذكر الإنسان بضعفه وعجزه .
يقول -والحديث لا زال لأبي عبد الله -: بعد أن اكتشفت أنه معاق كنت في حالة نفسية سيئة .. زاد من سوء حالتي أني كنت مقصراً تقصيراً في علاقتي مع ربي ، يا خجلي من الله .. كيف أدعو وبأي وجه ..
من وقتها عاهدت الله أن أتوب توبةً نصوحاً من جميع الذنوب والمعاصي وأن أتحلل من كل المظالم وأن لا أترك وسيلةً تقربني من الله إلا وأسلكها .
توجهت إلى الله بالكلية ... من أجل طفلي .. لا بل من أجل نفسي قبل طفلي .
كنت أتألم كثيرا كلما رأيته ...
وجود طفل معاق في المنزل يعني الأجر العظيم .. جبال من الحسنات ولكن لمن .. لمن كان مقبلا على الله منيبا إليه.. ولذلك أقبلت على الله بالكلية كنت أخاف أن أُحرم هذا الأجر العظيم أو أُنقص منه بسبب تقصيري وذنوبي ولذلك قررت التوبة النصوح .
كنت أخاف أن يذهب هذا الألم الذي كنت أتألّمه سدى .. فأخسر الدنيا والأخرة قلت في نفسي: لم يبتلِني الله بهذا الأمر إلّا وهو يريدني أن أرجع إليه وأتوب إليه وقررت أن أحقق إرادة الله .
(( من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط )) وإن من أكبر علامات الرضا التوبة والإنابة ..
في بداية الوضع ألزمت نفسي بالصلاة في المسجد جماعة عاهدت الله أنني لن أترك صلاة الجماعة مهما كانت الأسباب إلّا لأمر خارج عن ارادتي وكنت واثقاً أن هذا سيساعدني في القرب من الله ( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) هذا كلام الله ومن اصدق من الله قيلا .. ــ ولذلك على الذين لا يتغيرون مع الصلاة مراجعة حساباتهم في صلاتهم ــ . وفعلا كانت النتائج مذهلة جدا .. في فترة وجيزة استطعت أن أترك التدخين الذي كنت متعلقا به كثيراً ولم يخطر ببالي أن أتركه يوما من الأيام ثم تركت النظر إلى الحرام وسماع الحرام .. ثم اشتغلت بالقرآن فأعانني الله على حفظه .
كل هذا بسبب طفلي المعاق .. تغيرت حياتي تماما
قد لا يرى البعض أن هذا سببٌ كافٍ أو دافعٌ كاف .. هذا شأنه ، وكل ينظر بمنظاره ... أما أنا فأراه سبباً كافياً بل أكثر من ذلك .
عندما يبتلي الله المسلم بأي ابتلاء فهو في الغالب يريد به إحدى ثلاث حالات وكلها تحتاج إلى التوبة الصادقة ..
أول الحالات : يريد أن يرفع درجته في الجنة وهذه تحتاج إلى توبة صادقة، بدون توبة صادقة لن ترتفع درجاته
ثاني الحالات : يريد أن يكفر عنه من الذنوب والخطايا وهذه أيضا تحتاج إلى توبة صادقة
ثالث الحالات : يريد أن يحميه من مصيبة أكبر وهذه أيضا بدون توبة صادقة لا تتحقق .
ثم إنه في كل الحالات، الله يرغب أن يسمع دعاء عبده المسلم، الدعاء مع المعاصي والذنوب قليل النتائج لأن باب السماء مغلق لا يفتحه إلا التوبة الصادقة والاستغفار .
الشاهد أنه بدون توبة صادقة لن يستفيد الإنسان من هذا البلاء أيا كان .
ثم يضيف أبو عبد الله كلاما جميلا عميقا يقول : ينطبق على مثل حالة الطفل المعاق أو ذي الاحتياجات الخاصة أيضا بعض الحالات الأخرى ..
الفقر وكثرة الديون . وجود شاب عاطل عن العمل في المنزل ، وجود فتاة مطلقة أو عانس سواء بنت أو أخت ، وجود مريض مرضاً مزمناً في البيت ... كل هذه الحالات مؤلمة ومؤلمة جدا .. وليس لها إلا الله ، كل هذه الحالات تذكرنا بالله وبقدرة الله تذكرنا بضعفنا وحاجتنا إلى الله .. كلنا نحتاج إلى التوبة والاستقامة ولكن هذه الحالات ليس لها عذرا في تأخير التوبة ، فهي تحتاج إلى توبة صادقة عاجلة .لأنها تحتاج إلى القوة والدعم والعون وتحتاج إلى استجابة الدعاء ، والدعاء يحتاج إلى استقامة .
أن تتألم وتتعذب ولا تكسب أجراً هذه مصيبة فوق المصيبة ، وكيف تكسب الأجر وأنت مقصر في الصلاة ومقيم على الذنوب والمعاصي .
ثم ماذا بعد :
وصلنا إلى وجهتنا وكانت رحلةً من أمتع الرحلات لم أشعر معها بالزمن واستفدت كثيراً من كلام أبي عبد الله . طبعا الأحداث والمواقف والقصص التي ذكرها أبو عبد الله أكثر من ذلك ولكن لا أريد أن ان اطيل عليكم ، معاناة في المنزل ومعاناة مع المستشفيات، قصص ومواقف كثيرة ومعاناة أيضا في الثبات على التوبة . حاولت أن اختصر كل ذلك في الصفحات السابقة ... فإن احسنت فمن الله وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان
هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ،
للمزيد عن الكاتب أنقر على الاسم
حامد علي عبد الرحمن


التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 12:01 مساءً الإثنين 13 فبراير 1443.