• ×

06:12 مساءً , السبت 20 نوفمبر 1441

وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  537
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ / حامد علي عبد الرحمن
خطبة جمعة بدون المقدمة والخاتمة
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا .. وزدنا علما ينفعنا
أيها الأخوة الكرام : وأعرض عن بعض .. قال تعالى : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
أيها الأحبة .. ستكون خطبتنا اليوم عن هذه الآية .. بل ستكون فقط عن قوله تعالى : (وأعرض عن بعض ) إنها قاعدة جليلة وأساس عظيم في العلاقات الإنسانية .. أعرض عن بعض .. إنه أدب التغافل ، وما أدراكم ما التغافل؟ يقول سفيان الثوري –رحمه الله-: " وما زال التغافل من فعل الكرام".
والتغافل -أيها الإخوة-: هو غض الطرف عن زلل الآخر ، وهو التجاوز عن الأخطاء مع العلم بها وإدراكها ؛ تكرما وترفعا وحلما وعفوا .
وأعرض عن بعض .. يا لها من حكمة بالغة .. يا لها من أساس متين تبنى عليه العلاقات المتينة الثابتة الشاهقة .
مسألة أنك تستعرض وتجّتر وتستعيد كل المواقف وكل الكلمات .. وتقف عندها واحدة واحدة وتحاسب عليها .. فأنت تحكم على نفسك وعلى من حولك بالشقاء والتعاسة الدائمة . قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: " مَن لم يتغافل تنغصت عيشته".
وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ .. هذا هو الهدي النبوي وهذه هي السنة المطهرة وهذا هو السلوك المثالي .. يقول الحسن البصري –رحمه الله-: " ما استقصى كريم قط . أي ما بالغ في البحث والتقصي .
التغافل أيها الأحبة دليل قوي على حسن خلق صاحبه ؛ كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: " تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل".
وليس التغافل عن الزلات دليلا على الغباء والسذاجة ؛ أو دليلا على الضعف كما يعتقد البعض أو يقول البعض . بل هو العقل والحكمة؛ كما قال معاوية - رضي الله عنه-: "العقلُ مكيالٌ، ثلثه الفطنة، وثلثاه التغافل".
وقال الشافعي -رحمه الله-: "الكيّس والعاقل هو الفطن المتغافل".
ومن تتبع سيرة العظماء وجد أن من أعظم صفاتهم التغافل، قال ابن الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي: "وكان صَبورًا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلمه بذلك، ولا يتغير عليه".
هذه هي أخلاق العظماء، وهذا سر عظمتهم؛ ولهذا قال جعفر الصادق‏ -رحمه الله-: "عظّموا أقدراكم بالتغافل‏"‏‏.
كم من المشاكل وقعت في المجتمع بسبب البحث والتقصي والسؤال والتفسير والاستنتاج والتأويل .. كم وقع بين الأقارب والأصحاب من مشاكل كانت بسبب كلمة فهمها الأخر خطأ وفسرها خطأ ومن ثم كانت القرارات الناتجة عنها خطأ . ولو أنهم رزقوا التغافل لزال عنهم الشيء الكثير، كما قال الأعمش -رحمه الله-: "التغافل يطفئ شراً كثيراً".
وأعرض عن بعض .. كم نحن بحاجة إلى هذا الهدي وهذه القاعدة كم نحن بحاجة إلى الإعراض والتغافل في حياتنا اليومية كثيرة هي الخلافات والمشاكل التي تقع بين الزوجين سببها أن الزوج يتلمس اخطأ زوجته أو الزوجة تتلمس هفوات زواجها .. وكأنهما أعداء في معركة أو كأن بينهما سجّال ومناظرة كل منهما يريد أن يسجل أكبر قدر من النقاط على الأخر . ولو أن كلّاً منهم تغافل عن زلات صاحبه وغض الطرف قليلا لاستدامت لهم العشرة، وبقيت بينهم المودة؛ لكنهم حين فقدوا التغافل فقدوا الراحة .
كم نحن بحاجة إلى التغافل مع أولادنا وغض الطرف عن أخطائهم خصوصاً ما يقع منهم عفويا بغير قصد أو بحسن نية. ولنعلم أنه ليس من الحكمة أن نشعر أولادنا أننا نعلم عنهم كل صغيرة وكبيرة ، وليس من العقل أن نحاسبهم على كل دقيق وجليل .
لقد أطاعك من يرضيك ظاهره *** وقد أجلك من يعصيك مستترا
كم نحتاج للتغافل مع أصحابنا فلا نحاسبهم على كل كلمة خرجت منهم، ولا نحصي عليهم كل فعل صدر عنهم ؛ لأننا إن فعلنا ذلك فقدنا محبتهم وزالت عنا صداقتهم ، وقد قيل : "تناسَ مساوئ الإخوان تستدم ودّهم".
أنت عندما تبحث وتتحرى وتستقصي عن العيب في الأخر لا شك أن ستجده لأنه بشر .. لا شك أن فيه نقص .. هناك بعض الناس مثل النحل لا يقع إلا على الزهور والورود والثمر .. وهناك بعض الناس للأسف مثل الذباب لا يقع إلا على الأوساخ والجروح .
وهذا قدوتنا ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا هذا الأدب العظيم فيقول لأصحابه: "لا يبلِّغني أحد عن أحد شيئا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر".
فلم يكن -عليه الصلاة والسلام- يتتبع زلات أصحابه أو يبحث عن أخطائهم؛ بل كان ينهى عن التجسس وعن تتبع العورات وتفسير المقاصد، ولم يرضى أن يخبره أحد عن أحد شيئا؛ حتى يبقى صدره سليماً محباً لهم جميعاً.
إن الإنسان العاقلَ هو ذلكم الذي يستحضِرُ على الدوام عدمَ كمال الحياة التي يعيشُ فيها الناس، ويستحضِرُ على الدوام عدم كمال الناس أنفسهم ، وأن الكمال لله وحده وأن النقص سمة من سمات البشر لا تنفك عنهم ،
وأن لكلٍّ زلته .. من ذا الذي ما ساءَ قطُّ ومن له الحسنى فقط
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
ومن ذا الذي تُرضَى سجاياهُ كلُّها .. كفى المرء نبلا أن تعب معايبه
العاقل عندما يدرك ذلك يلتمس العذر للأخرين ويتغافل عن زلاتهم .. ويتناسى اخطأهم
أعرض عن بعض .. منهج حياة .. وطريق سعادة .
أيها الأحبة .. المؤمن هين لين سهل ..كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ألا أخبركم بمن يحرم على النار .. وبمن تحرم النار عليه ؟ على كل هين لين قريب سهل
أن تكون صادقا وصدّاقا .. فأنت تعرض عن بعض كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنت قوي لا ضعيف وحليم لا عاجز .
وقبل أن نختم أيها الأخوة الكرام هناك نقطة مهمة يجب الإشارة إليها ..
هناك فرق كبير جدا بين الغباء والتغابي وبين الغفلة والتغافل ..
ليس الغبيُّ بسيِّدٍ في قَوْمِهِ *** لكِنَّ سيِّدَ قومِهِ الْمُتَغَابِي
هذا وإن كنا نحث على التغافل والتسامح .. ولكن لا ينبغي أن تصل الحال إلى ..أن تنتهك محارم الله ونتغاضى ونتغافل .. لا ينبغي أن تترك الفروض والواجبات وترتكتب الكبائر والموبقات ونتغاضى ونتغافل .. لا ينبغي أن نرى الظلم والتجاوزات ونتغاضى ونتغافل ونسكت بحجة التغافل .
وخاصة مع من لهم حق الرعاية والقوامة والتربية علينا كالأبناء والأهل والأقارب
نرى الأبناء .. لا يصلون مثلا .. فنتغافل .. هذه غفلة وغباء وليست تغافل .
نرى اللباس غير المتحشم مثلا .. فنتغافل .. هذه غفلة وغباء وليست تغافل
إنما يكون التغافل والتسامح ويحمد في الأخطاء الخاصة والتجاوزات البسيطة وهو يتجلى ويتضح ويكون عظيما إذا كان في الحقوق الخاصة .
والتغافل أيها الأحبة لا يعني بحال من الأحوال ترك النصيحة والتنبيه على المخالفات الشرعية، فهذه لها شأن آخر ليس هذا مجال الحديث عنها، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث تميم الداري -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الدين النصيحة"، قلنا : لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم . النصيحة .. هي من الدين بل هي الدين بنفسه بنص الحديث السابق الدين النصيحة وليس لها علاقة بالتغافل .. أنت لا تنصح في العادة إلا من تحب لهم الخير .. لا تنصح إلا من تريدهم أن يتغيروا إلى الأفضل .. لا تنصح إلا من تريدهم أن يتركوا عادة سيئة مثلا أو يتحلوا بعادة حسنة وهذه كلها من الحب في الحب فأنت تحب لهم ما تحب لنفسك . والنصيحة ما هي في العادة إلا تذكير .. والتذكير لا يكون إلا للمؤمنين .. قال تعالى وذكر فإن الذكر تنفع المؤمنين .. فقبولها من علامات الإيمان .
نختم أيها الأحبة بما بدأنا : وأعرض عن بعض .. من أراد أن يجمع بين السعادة والأجر فعليه بتطبيق هذه القاعدة .. وأعرض عن بعض .
هذا صلوا على نبيكم محمد بن عبد الله فقد امركم الله بذلك في كتابه المبين فقال: (ان الله وملائكته يصلون علي النبي يا ايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلي اله وصحبه وسلم وارض اللهم عن التابعين لهم بإحسان الي يوم الدين , وعنا معهم بمنك وكرمك ورحمتك يا ارحم الراحمين , اللهم امنّا في اوطاننا واصلح ائمتنا وولاة امورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم انصُر دينكَ وكتابك وسنةَ نبيك وعبادكَ المُؤمنين. اللهم أبرِم لهذه الأمة أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتِك، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى عن المُنكر يا سميع الدعاء . اللهم من أرادَ الإسلامَ والمسلمين بسوءٍ فأشغِله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعل دائرةَ السَّوءِ عليه يا رب العالمين. اللهم انصُر المُجاهدِين في سبيلك في كل مكانٍ ، اللهم أنصر جندونا المرابطين على الحدود اللهم اصلح أحوالَهم، اللهم اربط على قلوبهم واهزم عدوك وعدوَّهم. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بيده إلى البرِّ والتقوى، اللهم وفِّقه لما فيه صلاحُ العباد والبلاد .

عباد الله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون . أقم الصلاة

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 06:12 مساءً السبت 20 نوفمبر 1441.