• ×

09:08 صباحًا , الخميس 16 أغسطس 1441

الألم / حامد علي عبد الرحمن

بواسطة : admin
 0  0  838
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 الألم / حامد علي عبد الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
كل من في هذه الدنيا .. يخاف الألم ويبذل قصارى جهده في تلافيه والبعد عن مسبباته .. بل إن ذلك هم الأولين والآخرين .. يقضي الإنسان حياته في الهروب منه والبعد عنه ..
طراده ولهاثه وسعيه ما هو في الحقيقة إلا للسلامة منه ومن كل أشكاله وأنواعه .. ( ألم الجوع ، ألم الخوف ، ألم الحاجة ، ألم المرض ، ألم الحرمان .. ألم الضمير .. الخ ) .. كل واحد منّا يحلم بالأمان من كل ذلك ..
إذا لا فائدة من أن تمتلك المال .. أو المنصب .. وأنت تحس بالألم في أي شكل من أشكاله ..
السؤال هنا .. هل هناك وسيلة لتجنب الألم أو التخفيف منه ؟ ...
تابعوا معي هذا المقالة لنرى .. ولكن قبل أن نتحدث عن ذلك بشكل تفصيلي دعونا نُعرّف الألم بشكل مختصر وسريع ..
الألم .. يعني الوجع الشديد .. والألم يعني الحزن والأسى .. والألم في الفلسفة يعني أحد الظواهر الوجدانية .. وفي علم النفس هو إحساس عميق بالضيق وعدم الراحة ..
كلها معاني وعبارات وصيغ تشير إلى معنى واحد وهو : المعاناة وعدم الراحة .. سواء كانت جسدية نتيجة الأمراض والإصابات .. أو نفسية نتيجة الحزن والأسى والهم والغم .. أجاركم الله من كل ذلك .
عبر الله جل وتبارك وتعالى في القرآن عنه وهدد المشركين والكافرين به في قوله تعالى .. ولهم عذاب أليم .. في غير موضع في القرآن ..
أليم بمعنى مؤلم وموجع إيجاعا شديدا بالغ الغاية في الإيلام من .. آلمه .. يؤلمه .. إيلاما فهو أليم أي مؤلم .. ومعنى بالغ الغاية يعني ..يعني أقصى حد يمكن تخيله وهو لا يكتفي بالجسد فقط بل يتعداه إلى الروح .. فهو يعني أي شكل من أشكال التعذيب سواء جسديا أو نفسيا ..
إذا الألم نوعان .. جسدي ونفسي ..
لن أتكلم عنه جسديا .. أو بمعنى أدق لن أسهب في ذلك فهذا لا يخفى عليكم وكلنا نعرفه .. وهذا النوع من الألم ضريبة هذا الهيكل الأرضي الذي تسكن الروح فيه وتتخذه مطية لها ـ أقصد هذا الجسد الضعيف ـ
ولأنه ضعيف لن يسلم من الألم .. عفوا .. تعديل بسيط على هذه العبارة .. ولأنه ضعيف لن يسلم من الألم إذا تُرك وحده ..
إذا تُرك وحده ؟ ! عبارة غامضة
ما معنى ذلك ؟ سيأتي تفسيرها إن شاء الله ..
تتفقون معي أن الإحساس بالألم متفاوت من شخص إلى أخر .. وهذا يعطينا معنى عميق وبعيد .. وتساؤل بديهي ..
من أين أتى التفاوت هذا ؟ ..
الجواب .. التفاوت هذا أتى من القدرات المختلفة ..
والقدرات هذه ممكنة مهما بلغت لأنها بشرية .. هذا منطق .. ( ما يفعله الأخرون مهما كان .. يمكن فعله أو يمكن تعلمه ) هذه قاعدة ..
ولأن الإنسان يملك قدرات هائلة .. يستطيع أن يرفع من قدرة التحمل لديه وعدم الإحساس بالألم أو التخفيف منه .. أيضا هذا منطق ..
تذكروا معي أننا نتكلم عن الألآم الجسدية .. لنثبت أنه بالإمكان التغلب عليها وتطوير أساليب الدفاع ضدها والتقليل من وقعها والإحساس بها ..
القصص التي تتحدث الألم الجسدي كثيرة جدا وعن القدرات الهائلة التي يمتلكها البعض لتحمل الألم .. وأنا شخصيا اؤمن بها ..
مثل قصة عروة بن الزبير رضي الله عنه ( وقد ذكرتها في مقالة عن الطاقة الروحية ) عندما وقعت الآكلة في رجله فصعدت إلى ساقة .. فبعث الوليد إليه الأطباء فقالوا : ليس لها دواء إلا القطع فقُطعت وهو شيخ كبير .. دون أن يمسكه أحدا ..
وقصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عندما تناول الراية من زيد .. أخذها بيمينه، فلما أصيبت أخذها بشماله، فلما أصيبت أخذها بعضديه، فلم يزل ممسكاً لها مقبلاً غير مدبر حتى استشهد رضي الله تعالى عنه .. أي قوة وأي جبروت .. واي روح يمتلكها هذا الرجل .. أين الألم لماذا لم يشعر به .. وكيف تغلب عليه ؟ ..
ألا تحتاج .. هذه القصة وشبيهاتها إلى وقفة تأمل ..
أليس من الممكن أن نحتاج في يوم من الأيام إلى مثل هذه الطاقة وهذه القدرة التي تجعل الألم يتلاشى وكأنه لم يكن ..
مجرد سؤال !!! ..
والقصص كثيرة في هذا الشأن .. أكثر من أن نحصيها .. ربما بعضها مبالغ فيه .. وسواء صدقت في كل تفاصيلها أو لا .. هناك شاهد فيها وهو أننا نستطيع أن نمتلك قدرة أكبر على تحمل الألم أو التخفيف منه .. وهذا أيضا يتفق مع ما أثبته العلم الحديث من أن الجسم يستطيع أن يفرز هرمون يعادل أقوى مخدر في العالم .. ليس مجال حديثنا .. لن نسهب في الحديث عن هذا .. كما أشرنا ..
المهم فيما سبق .. إثبات القدرة على زيادة تحمل الألم ..
أما كيفية امتلاك قدرة التغلب على الألم .. ستأتي الإجابة عنها ضمنا .. أثناء حديثنا ..
اثبتنا قبل قليل أن هناك أمكانية للتغلب على الآلام الجسدية أو التخفيف منها .. ولكن ماذا عن الآلام النفسية والروحية ؟
الآلام الروحية والنفسية .. أخطر .. والتغلب عليها أسهل .. إذا كنا نستطيع التخفيف من الآلام الجسدية فالآلام النفسية نستطيع أن نقضي عليها نهائيا وننهيها تماما ولا نحس بها إطلاقا وربما استطعنا تحويلها .. إلى شيء مغاير لها تماما .. نستطيع تحويلها إلى لذة أو سعادة ..
أيضا قصص التغلب على الآلام النفسية وتحويلها إلى متعة ولذة وسعادة كثيرة جدا وأنا شخصيا اؤمن بها إيمانا تاما ..
أشهر الآلام النفسية .. تأتي نتيجة ماذا ؟ .
لاحظوا . نحن نتحدث عن الآلالم النفسية .. لا نتحدث عن الأمراض النفسية .. الأمراض النفسية شأنها مختلف .. فبعض الأمراض النفسية لا تجعلك تشعر بالآلالم .
إذا أغلب الآلام النفسية .. تأتي نتيجة الشعور بالإثم أو الخطيئة أو الخوف أو القلق أو الكبت أو التردد أو الشك أو الظلم أو الحرمان .. إلخ وهذه كلها لها علاج .. وقصص الذين تجاوزا آلام هذه المشاعر أكثر من أن تعد
يمتلك الإنسان قوة عظيمة جدا جدا .. وهي قوة ـ ونفخت فيه من روحي ـ
لكن الكثير منّا أضاعها أو عطلها أو لم يستفد منها .. هذه القوة تجعل الإنسان يتجاوز حدود المعقول .. الله نفخ في أبينا آدم من روحه ..
وهذا يعني أن كل واحد منا فيه من روح الله ( هذه الجزئية تحتاج منك وقفة تأمل ) ..
تأملها ...
هنا يعجز القلم عن الكتابة واللسان عن التعبير والعقل عن الاستيعاب ..
نرجع لموضوعنا ..
وأشهرها على الإطلاق ( أقصد الآلام النفسية ) تأتي في الغالب .. نتيجة ثلاثة أشياء .. نتيجة النفس اللوامة .. .. أو نتيجة الطمع .. أو .. نتيجة الإحساس بالحرمان
النفس اللوامة تأتي نتيجة الظلم والتجاوزات .. ( تجاوزات الشخص نفسه ) ثم ينتج عنها .. الشعور بالذنب .. وجلد الذات .. والاكتئاب .. والقلق .. والخوف .. هذه كلها مخرجات النفس اللوامة .. التي كانت نتيجة الظلم والتجاوز .. وعلاج كل ذلك .. التراجع والتوبة والاعتراف بالخطأ والاعتذار ورد المظالم والعفو والصفح والإحسان .. وقول الحق والجهر به .. لا يمكن أن يرتاح المؤمن حتى يفعل ذلك ..
عندما يفعل ذلك خالصا لله ويتخلص من كل الشوائب .. عندها .. يبدل الله سيئاتهم حسنات ..
وفعل الحسنات .. تفعل العجائب .. في الراحة النفسية
وهنا اللذة العظيمة التي تحدثنا عنها .. والسعادة التي لا يمكن وصفها والتي يفتقدها الكثير
هذا فيما يتعلق بالآلام الناتجة عن النفس اللوامة ..
أما الآلام التي تأتي نتيجة الطمع ونتيجة الحرمان .. الطمع والحرمان تتقاطع مخرجاتهما من الآلام في الغالب .. فمنها ينتج .. الكره .. الحقد .. الحسد .. الغيرة السلبية .. الشعور بالنقص .. الشعور بالظلم .. الشعور بالغبن .. الخ .. كل هذه تسبب الآلام للنفس البشرية .. الحسود يتألم .. والحقود يتألم .. لا يقل عن تألم المظلوم ..
كل هذه الآلام لا يمكن علاجها إلا بالرضى والقناعة .. والثقة في أن ما عند الله خير وأبقى .. وأن الملك بيد الله .. وأن الله قادر على كل شيء .. بدون ذلك يبقى الإنسان يشعر بالغبن والحسرة والتي تولد ما ذكرنا ..
بقي عندنا سؤال مهم جدا ..
هل الشعور بالألم سلبي دائما .. أم له فوائد ..
الشعور بالألم دائما مفيد .. كيف ؟
على مستوى الجسد هو مؤشر وعلامة على الخطر .. فالجسد محاط بأعصاب تشعره بالخطر .. عندما تتعطل الأعصاب ( في بعض الحالات المرضية ) عندها ربما يفقد الإنسان جزءاً من جسمه دون أن يشعر ..
الإنسان الطبيعي .. يحس بالألم فيتراجع .. والمريض لا يحس
وهذا أيضا ينطبق على النفس تماما .. أغلب الآلام النفسية .. ( أكرر أغلب وليس الكل ) ما هي إلا مؤشر وعلامة وإنذار على الخطر .. خطر التجاوزات وخطر الإثم .. وخطر العقاب من الله .. وعندما يتعطل هذا المؤشر كما هو الحال عند الكثير للأسف .. يموت ضميره .. فلا يشعر بتجاوزاته ولا أخطائه ولا تقصيره .. عندها يخسر جزءاً من روحه دون أن يشعر ..
في الآلام الجسدية يخسر جزءاً من جسمه وهذه خسارة ملموسة ومحسوسة سوف يشعر بها عاجلا أو آجلا .. وفي الآلام النفسية الخسارة روحية وأيضا سوف يشعر بها عاجلا أو أجلا .. الشعور بالآلام النفسية يتأخر عند البعض الذين تبلدت أحاسيسهم .. يتأخر ليس كثيرا ..
هناك ما يمكن تسميته بالألم المؤجل ( إذا صح التعبير) .
متى نشعر به .. نشعر به يوم التغابن .. يوم العض على الأصابع
من الأمثلة :
تضيع صلاة الجماعة عند الإنسان الطبيعي ( الذي اعصابه الروحية تعمل بشكل سليم ) فيتألم ويتوجع ويندم ..
بينما تضيع الصلاة تلو الصلاة عند المريض ( الذي أعصابه الروحية لا تعمل بشكل سليم ) فلا يحس ولا يشعر
تضيع فرصة الحصول على الأجر من الإنسان الطبيعي .. فيحزن ويندم فيعاتب نفسه ويعاهدها ..
بينما تضيع الفرصة تلو الفرصة على الإنسان المريض .. لا يحس ولا يشعر ولا يندم ..
وهكذا ..
عند أقل تجاوز أو خسارة .. صاحب الأعصاب السليمة والنفس السليمة يحس ويتألم ويتراجع والأخر مهما كانت الخسارة (فروض .. واجبات.. سنن.. ظلم .. تجاوزات ) .. لا حس ولا شعور .. و لا حياة لمن تنادي .. حتى يفقد أغلى ما يملك: روحه .
فمن وصل به الحال إلى تبلد الإحساس إلى هذه الدرجة ـ فليصل على نفسه صلاة الغائب ركعة واحدة بأربع تكبيرات ـ
ونختم بهذا التذكير .. إلى كل عاقل يخاف الآلام .. تذكر هذه الحالة والتي هي نتيجة الآلام المؤجلة ..
كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا
كانت مجرد إشارات وتنبيهات وتأملات الهدف منها أن نعيد ترتيب أوراقنا ..

مقالات قريبة

الطاقة الروحية .... ما وراء الجسد

كتبها / حامد علي عبد الرحمن

التعليقات

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 09:08 صباحًا الخميس 16 أغسطس 1441.